تجليات الوعي القومي والقلق الوجودي في شعر أمل دنقل
يُعَدّ الشاعر المصري أمل دنقل المولود في أسرة صعيدية عام 1940 بمحافظة قنا، أحد أبرز الأصوات الشعرية القومية العربية المشهورة في النصف الثاني من القرن العشرين، وقد تميّز فكره الشعري بحدة الموقف أو جديته -فلديه اتجاه واحد، ولا يعرف أنصاف الحلول- وصدق الرؤية، والارتباط العميق بقضايا الإنسان العربي في زمن الهزائم والانكسارات، وهذا ما جعل منه شاعرا مهموما ببني جنسه، فلم يكن شاعر تأملات ذاتية فحسب، بل كان شاعر مواقف، وشاعر مقاومة، وشاعر رفض وتمرد وسخط. ومن خلال شعره يمكننا قراءة عالمٍ فكري متكامل ذي فلسفة واضحة، ومعايير محددة، تتقاطع فيه السياسة بالتاريخ، والأسطورة بالواقع، والذات بالجماعة؛ موظفا كل أدواته في التعبير عن مشكلات عصره.
أولاً: الرفض بوصفه جوهر القضية
وإذا أردنا أن نجمل فكر أمل دنقل في كلمة واحدة، فسنقول ما اتفق عليه شاعر “الرفض”؛ لقد تشكّل وعيه في ظل تحولات سياسية كبرى ومجتمع يتغير ويتشكل ويعاني: ثورة يوليو، وصعود المشروع القومي الحالم، ثم نكسة 1967، وما تلاها من انكسارات. هذه الأحداث لم تكن خلفية زمنية فحسب، بل كانت مكوّنًا رئيسًا في بنيته الشعرية، وأفكاره، موضوعاته، فهو لم يتعامل مع الواقع بفكرة الاستسلام والخضوع ويقول ما يردده الآخرون إنه قدر، بل تعامل معه على أنه مجال للصراع والاشتباك، ولذلك جاء شعره حافلاً بالمواقف الحادة ضد الاستسلام، والتخاذل، والمساومة، بل والتقليل والسخرية من شأن الضعفاء الجبناء.
ففي قصيدته الشهيرة “لا تصالح”، التي استلهم فيها سيرة حرب البسوس، تتحوّل الأسطورة إلى خطاب سياسي معاصر قوي، يخاطب الشاعر كليب أخاه الزير سالم، محذّرًا إياه من الصلح الذي يقوم على التفريط في الدم والكرامة، وهو لا يوجه خطابا فرديا فحسب، بل خطابا عربيا شاملا عاما، وأن جملة “لا تصالح” ليست نصا تاريخيا، بل بيانا أخلاقيا يرفض التنازل عن الحقوق؛ إذ يقول:
لا تصالحْ!
.. ولو منحوك الذهب
أترى حين أفقأ عينيك
ثم أثبت جوهرتين مكانهما..
هل ترى..؟
هي أشياء لا تشترى..
………
لا تصالح على الدم.. حتى بدم!
لا تصالح! ولو قيل رأس برأسٍ
أكلُّ الرؤوس سواءٌ؟
أقلب الغريب كقلب أخيك؟!
أعيناه عينا أخيك؟!
وهل تتساوى يدٌ.. سيفها كان لك
بيدٍ سيفها أثْكَلك؟
ثانيًا: الهمّ القومي والانحياز للمقهورين
كان الهمّ القومي في شعر دنقل ليس شعارًا أيديولوجيًا فقط، بل إحساسًا وجوديًا. لقد رأى في الهزيمة العسكرية عام 1967 هزيمة حضارية وأخلاقية ونكسة مؤلمة، فعبّر عن مرارة جيلٍ كامل فقد ثقته بالشعارات الكبرى وعاش حالة من التزييف والخداع. ففي قصيدته “البكاء بين يدي زرقاء اليمامة”، يستدعي شخصية المرأة الأسطورية التي كانت ترى الخطر قبل وقوعه، لكنه يجعلها شاهدة على عجز الأمة، وعن الإصغاء إلى صوت التحذير، ولذا امتد شعره إلى الإنسان البسيط، والفقراء والمهمّشين، الذين يسحقهم القهر اليومي، وركز على صور الجوع، والعرق، والأيدي الخشنة، والوجوه المتعبة، مبينا موقفه المنحاز لا المحايد؛ إذ يقول:
تكلمي.. تكلمي ..
فها أنا على التراب سائلٌ دمي
وهو ظمئُ.. يطلب المزيدا.
أسائل الصمتَ الذي يخنقني:
“ما للجمال مشيُها وئيدا..؟!”
أجندلاً يحملن أم حديدا..؟!”
فمن تُرى يصدُقْني؟
أسائل الركَّع والسجودا
أسائل القيودا :
“ما للجمال مشيُها وئيدا..؟!”
“ما للجمال مشيُها وئيدا..؟!”
ثالثًا: استدعاء التراث بوصفه أداة مقاومة واستنهاضًا للهمم
من السمات البارزة في فكر أمل دنقل توظيفه العميق للتراث بوجه عام؛ فلم يكن التراث عنده بكاء على الأطلال أو مجرد ذكرى، بل وسيلة لإعادة قراءة الحاضر؛ فقد استحضر شخصيات مثل زرقاء اليمامة، وكليب، وعنترة، والمتنبي، ولا ليعيد إنتاجها كما هي، بل ليحمّلها دلالات معاصرة ومعاني جديدة ويوظفها في مشاهد واقعية.
هذا التوظيف ينم عن وعي ثقافي واسع، وإيمان بأن الصراع الحالي ليس منفصلاً عن جذوره التاريخية. فالتاريخ عنده هو التفاعل الخلاق بين الماضي والحاضر، ومساءلة الواقع دون الوقوع في المباشرة الخطابية.
رابعًا: القلق الوجودي والبحث عن المعنى
على الرغم من طغيان الهمّ السياسي، فإن شعر دنقل لا يخلو من بعد وجودي عميق. فهو شاعر القلق، والشك، ومساءلة المصير. تتجلى هذه النزعة بوضوح في ديوانه “أوراق الغرفة 8″، الذي كتبه أثناء صراعه مع مرض السرطان في معهد الأورام بالقاهرة؛ حيث يتعرّى الشاعر من صخب الشعارات، ويواجه ذاته والموت وجهًا لوجه، ويتقلّص العالم إلى غرفة في مستشفى، وسرير، ونافذة، وممرّضات، وعلى الرغم مما يعاني فلم يتحوّل المرض عنده دنقل إلى بكائية، بل تحول إلى تجربة تأملية تكشف عن شجاعة نادرة في مواجهة التحول والفناء؛ بلغة شفافة تجمع بين المرارة والسخرية، في موقف يكاد يكون استمرارًا لفلسفة الرفض نفسها، ولكن هذه المرة في مواجهة الموت الذي لا مفر منه؛ إذ يقول:
“فالجنوبي يا سيدي .. يشتهي أن يكون الذي لم يكنه
يشتهي أن يلاقي اثنتين:
الحقيقةَ .. والأوجهَ الغائبة”
وعندما يرحل من نحب، نفتقد بفقدهم الوطن، كأنهم هم الوطن أو هم من يعطوننا الإحساس بالألفة فيه:
“كل الأحبة يرحلون … فترحل شيئًا فشيئًا من العين ألفة هذا الوطن”.
خامسًا: العلاقة بين الذات والجماعة
من أهم ملامح فكر أمل دنقل تداخُل الذاتي بالجمعي؛ فالذات في شعره ليست منغلقة على همومها الخاصة، بل هي مرآة للجماعة. حين يتألم، فإن ألمه يتجاوز حدود الجسد ليصبح تعبيرًا عن جرحٍ قومي. وحين يغضب، فإن غضبه لا ينفصل عن غضب شعبٍ كامل.
ومع ذلك، لم يذُب الشاعر في الجماعة ذوبانًا كاملاً؛ فقد احتفظ بمسافة نقدية حتى تجاه السلطة التي ادّعت تمثيل الجماهير، كان حذرًا من الشعارات الجاهزة، ومن اللغة التي تتحول إلى أداة تزييف؛ لذلك جاءت لغته مكثّفة، حادّة، بعيدة عن الزخرفة، وكأنها تعكس موقفه الأخلاقي الصارم من الواقع.
وأما اللغة الشعرية عند أمل دنقل؛ فهي ليست محايدة، بل هي جزء من فكره؛ فهي لغة مشحونة بالتوتر، تعتمد على الإيقاع الداخلي، والصورة الكثيفة، والتناصّ الواعي؛ حيث يميل إلى الجملة القصيرة الحاسمة، وإلى التكرار الذي يرسّخ الفكرة ويحوّلها إلى ما يشبه الهتاف، كما ورد في “لا تصالح”، هذا الأسلوب يعكس إيمانه بأن الشعر ليس ترفًا جماليًا، بل فعل مقاومة، كما أن اختياره للشعر الحر (شعر التفعيلة) مكّنه من التعبير عن توتر العصر دون الانفصال عن الموسيقى العربية؛ فقد حقّق توازنًا بين الحداثة والأصالة، انعكس على شعره فجاء حديثاً في رؤيته، عربيًا في جذوره.
إن فكر أمل دنقل، كما يتجلّى في شعره، هو فكر مقاومة وكرامة ووعي نقدي؛ إنه شاعر رفض الهزيمة، ورفض المساومة، ورفض الزيف. حمل همّ الأمة كما حمل همّ الإنسان الفرد، واستطاع أن يحوّل تجربته الشخصية، حتى في لحظات المرض والموت، إلى نصوص نابضة بالحياة.
لقد بقي صوته حاضرًا حيًّا لأن قضاياه لم تغب ولم تنته، ولأن أسئلته ما زالت معلّقة تبحث عن جواب في فضاء الواقع العربي. وهكذا أصبح أمل دنقل رمزًا للشاعر الذي يجعل من القصيدة ساحةً للمواجهة، ومن الكلمة موقفًا أخلاقيًّا؛ فلا يقبل التراجع ولا يعرف الاستسلام، ويقدر المسؤولية الأخلاقية للكلمة.












