المرأة والعدالة الاجتماعية في رواية “دعاء الكروان” لطه حسين
تُعدُّ رواية “دعاء الكروان” لعميد الأدب العربي الدكتور طه حسين من أبرز الروايات العربية الكلاسيكية التي تناولت قضايا المرأة وتحولاتها وتمثلاتها، والعدالة الاجتماعية بأشكالها المختلفة، والصراع القائم بين التقاليد والحداثة. وقد نُشرت للمرة الأولى عام 1934، وهي صغيرة الحجم، وشكلت علامة مائزة في مسيرة الرواية العربية الحديثة، لما تتميز به من عمق نفسي واجتماعي، وبناء فني متماسك، ولغة أدبية تجمع بين البساطة والجمال، فضلًا عن قدرتها الفائقة على تصوير البيئة الريفية المصرية وما تحمله من قيم وعادات وتقاليد وأعراف تختلف في نواح كثيرة عن بيئة المدينة، وقد بدأها بإهدائها إلى الأستاذ العقاد كتحية من صديق مخلص.
يقول الشاعر خليل مطران:
دعاء هذا الكروان الذي
خلدته في مسمع الدهر
له صدى في القلب والفكر من
أشهى متاع القلب والفكر
لكنه مشج بترجيعه
لما جرى في ذلك القفر
إذ تسكن البيداء وهنا فما
ينبض إلا مهج السفر
تدور أحداث الرواية حول شخصية “آمنة”، وهي الابنة الصغرى للأسرة المنكوبة في الرواية، وهي فتاة ريفية تعيش مع أسرتها في إحدى القرى البدوية النائية، “لقد كانت آمنة تلك فتاة بدوية. انحدرت بها وبأختها امرأة من أهل البادية، أو من أهل هذا الريف المصري الذي يشبه البادية؛ لأنه منبث في أطراف الأرض الخصبة مما يلي الصحراء الغربية أو مما يلي هذه الهضبات التي يسميها أهل مصر الوسطى بالجبل الغربي. كانت زهرة أم آمنة وأختها هنادي امرأة بدوية”. وقد خرجت هي وأختها وأمهما من القرية؛ بسبب ظروف الحياة، لتعمل الصغرى في بيت “المأمور” رفيقة لابنته، وتتعلم منها أساليب الحياة الجديدة، بينما تعمل شقيقتها الكبرى “هنادي” خادمة في بيت المهندس، وتبدأ المأساة الكبرى عندما تقع “هنادي” ضحية وفريسة لعلاقة غير مشروعة مع هذا المهندس الذي تعود على استباحة شرف الفتيات بألاعيبه الدنيئة واستهتاره فأفقدها أعز ما تملك وهنا سارعت الأم للاتصال بأخيها وسندها، فيعتبر خالها أن ما حدث قد جلب العار للأسرة، فيقدم على قتل “هنادي”، وفي أثناء العودة يخرج سكينة ويطعنها، بدافع ما يُعرف بـ”غسل العار وتطهير فاعله”، “وهذه أمنا تريد أن تسأل فيم إناخة الجملين، وفيم النزول في غير منزل، وها أنا هذه أريد أن أقول شيئا، ولكني لا أكاد أدير لساني في فمي، ولا أكاد أستوعب ما كانت أمنا تقول؛ إنما هي صيحة منكرة مروعة تنبعث في الجو، وجسم ثقيل متهالك يسقط على الأرض، وإذا أختي قد صرعت وإذا خالنا هو الذي صرعها؛ لأنه أغمد خنجره في صدرها. ونحن عاكفتان على هذا الجسم الصريع يضطرب ويتخبط ويفجر منه الدم في قوة كما يتفجر الماء من الينبوع… لم نفهم شيئًا ولم نقدر شيئًا ولم تنتظر شيئًا، وإنما أخدنا على غرة أخذًا واختطفت هنادي من بيننا اختطافًا، ويمتلئ الجو حولنا بهذا السكون الألم سكون الموت. ونحن فيما نحن فيه من ذهول وغفلة”. تقرر “آمنة” الانتقام لشقيقتها من هذا المهندس، لكن الأحداث تتصاعد وتتغير مشاعرها لتجد نفسها أسيرة جديدة وقعت في حبه.
منذ الصفحات الأولى في الرواية، ينجح طه حسين في جذب القارئ من خلال افتتاحية ذكية مؤثرة؛ حيث يصبح صوت الكروان رمزًا للحزن والألم والرغبة في الانتقام. فالكروان ليس مجرد طائر يظهر في الطبيعة، بل يتحول إلى عنصر رمزي يرافق البطلة دائما، وكثيرا ما يتردد في ثنايا الرواية، ويعبر عن صراعها الداخلي بين الرغبة في الثأر لشقيقتها وبين الانجذاب الإنساني الذي يتولد داخلها مع تطور الأحداث؛ ومن هنا جاءت تسمية الرواية بـ”دعاء الكروان”؛ إذ يرتبط صوت الطائر بنداء الضمير واستحضار الماضي الأليم والذكريات.
تتميز شخصية “آمنة” بثراء نفسي واضح- على الرغم من صغرها، فهي ليست شخصية ثابتة، وإنما تتطور تدريجيًّا مع تقدم الأحداث. ففي البداية، تسيطر عليها مشاعر الغضب والكراهية، وتقرر أن تنتقم من المهندس الذي كان سببًا في مقتل شقيقتها، ولهذا تسعى جاهدة في الالتحاق بالعمل في منزله خادمة، رغبة في تنفيذ انتقامها، غير أن الاحتكاك المباشر واليومي به يكشف لها جانبًا آخر من شخصيته، فتبدأ في إدراك تعقيد النفس الإنسانية، ويتحول شعورها تدريجيًّا من الرغبة في الثأر الموجود سلفا، إلى حالة من الصراع بين العقل والعاطفة. وقد استطاع طه حسين أن يصور هذا التحول النفسي بدقة شديدة، معتمدًا على الحوار الداخلي والوصف النفسي أكثر من اعتماده على الأحداث الخارجية، فكان ما يجول في رأسها منطوقا واضحا، وهو ما يمثل قمة الصراع والألم.
أما شخصية المهندس، فلا يقدمها الكاتب بوصفها شرًّا مطلقًا، بل يرسمها بصورة إنسانية مركبة؛ فهو شاب متعلم ينتمي إلى طبقة اجتماعية مختلفة عن البيئة الريفية التي نشأت فيها البطلة، وقد ارتكب خطأً كبيرًا وإثما عظيما أدى إلى مأساة “هنادي”، لكنه في الوقت نفسه يظهر نادمًا، ويحاول تغيير حياته، من خلال تأثير البطلة عليه. وهذه المعالجة التي صورها طه حسين في كتابته تؤكد أنه لم يكن يسعى إلى تقديم شخصيات نمطية، وإنما أراد الكشف عن تعقيد العلاقات الإنسانية، وأن الإنسان قد يجمع بين الخطأ والندم، وبين الضعف والرغبة في الإصلاح، وهي صورة إيجابية.
وتُعد “قضية المرأة” من أهم القضايا التي تعالجها الرواية؛ فقد انتقد طه حسين بقوة النظرة الاجتماعية التي تجعل المرأة وحدها مسؤولة عن الشرف، بينما يتجاهل المجتمع مسؤولية الرجل، وتظهر هذه الفكرة بوضوح في مصير “هنادي”، التي دفعت حياتها ثمنًا لعلاقة كان الطرف الآخر فيها رجلًا لم يتعرض للعقاب نفسه، وإنما وقع الإثم كله على هذه الفتاة البسيطة. ومن خلال هذه المفارقة، يكشف الكاتب عن ازدواجية المعايير السائدة في المجتمع، ويدعو بصورة غير مباشرة إلى تحقيق العدالة والمساواة، وإعادة النظر في المفاهيم التقليدية المتعلقة بالشرف والكرامة.
كما تعكس الرواية الصراع بين الريف والمدينة، وبين الفكر التقليدي والفكر الحديث؛ فالريف يمثل سلطة العادات والتقاليد الصارمة والعرف الذي لا يقبل الخروج عليه، بينما تمثل المدينة مساحة أوسع للتغيير والانفتاح والحريات؛ المسؤولة وغير المسؤولة، وإن لم تخلُ من المشكلات. ويبرز هذا الصراع في طريقة تفكير الشخصيات، وفي اختلاف نظرتها إلى المرأة والتعليم والعمل، ويبدو جليًّا تأثر طه حسين بأفكاره التنويرية وخبراته الحياتية التي دعا فيها إلى نشر التعليم، وتحرير العقل من القيود الاجتماعية غير المنطقية.
ومن الناحية الفنية، تمتاز الرواية بلغتها الأدبية الراقية التي تجمع بين الفصاحة والسهولة؛ فقد استخدم طه حسين أسلوبًا يعتمد على الجمل الموسيقية والإيقاع الهادئ، مع كثرة الصور البلاغية والتشبيهات المستمدة من الطبيعة، كما نجح في توظيف الوصف بكل التفاصيل لإبراز الحالة النفسية للشخصيات؛ فكان وصف الليل، وصوت الكروان، والطبيعة المحيطة، جزءًا ضروريًّا من البناء النفسي للرواية، وليس مجرد زخرفة لغوية متكلفة.
ويُلاحظ كذلك اعتماد الكاتب على الرمز، وهو من أبرز عناصر البناء الفني في الرواية؛ فالكروان -على سبيل المثال- يرمز إلى الألم والحنين والضمير الحي، “وهذا صوتك أيها الطائر العزيز يدنو مني شيئًا فشيئًا فيملؤني أمنًا ودعة وهدوءًا، وحزنًا معًا. إنه يردني إلى اليقظة الخالصة التي تشعر بنفسها وتفكر في نفسها وتذكر ما مضى على علم به وتقدير له، وتستقبل ما سيأتي في روية وبصيرة واستعداد للاحتمال. نعم! إن صوتك يملأ أذني، وإنه يملأ قلبي، وإنه ليغمر نفسي، وإني أفهم عنه ما يريد، وإني لأذكر أختي ومصرعها، وإني لأعرف من دفعها إلى الموت، كما أعرف من أذاقها الموت. وإني لأعلم حق العلم أني ساعية إذا كان الغد إلى بيت هذا المهندس فمقيمة فيه حيث كانت أختي، فناهضة بما كانت تنهض به أختي من العمل، فمنتهية بعد إلى شي آخر غير الذي انتهت إليه أختي في ذلك الفضاء العريض”، بينما يرمز الطريق الذي تسلكه آمنة إلى رحلة التحول الداخلي والنضج النفسي، كما أن الانتقال من القرية إلى المدينة يحمل دلالة رمزية تشير إلى الانتقال من عالم تحكمه الأعراف الجامدة إلى عالم أكثر انفتاحًا، وإن ظل الإنسان فيه يواجه تحدياته الأخلاقية والنفسية. “نعم الشك في هذا القلب الذي يضطرب بين جنبي بعد أن استيقن أن هذا الشاب يحبني ولا يستطيع عني سلوا. ما خطب هذا القلب؟ أمحب هو أم غير مكترث؟ فإن تكن الأولى ففيم المقاومة، وفيم العذاب، وفيم تعذيب الحبيب؟ وإن تكن الثانية ففيم البقاء في هذه الدار، وفيم الصبر على هذه الحياة التي لا تطاق؟
كلا! كلا! فكرى يا آمنة، ماذا أقول؟ فكرى يا سعاد… فقد محي اسم آمنة منذ دخلت هذه الدار.
فکري یا سعاد. فقد آن لك أن تفكري، واعزمي أمرك؛ فقد آن لك أن تعزميه، أقيمي كما تقيم العاشقة أو ارتحلي، كما ترتحل القالية، فأما هذه الحياة المعلقة فليس لأحد فيها خير وليس لأحد فيها غناء، ولم يبق لك إلى احتمالها سبيل!”.
ومن الجوانب المهمة أيضًا أن الرواية لا تقدم نهاية تقليدية تقوم على الانتقام أو العقاب المباشر، بل تنتهي بانتصار القيم الإنسانية على مشاعر الكراهية؛ فقد أدركت آمنة أن الثأر لن يعيد شقيقتها إلى الحياة، وأن استمرار دائرة العنف لن يؤدي إلا إلى مزيد من المآسي، وهنا تتجلى رسالة طه حسين الإنسانية، التي تؤكد أن الإصلاح الحقيقي يبدأ من تغيير الفكر، وأن الرحمة والوعي أقدر على بناء المجتمع من الانتقام. “قالي وهو يضحك: فإنك تظنين أنى أعبث، وتقدرين ما بينك وبيني من الفرق الاجتماعي متى تزوج السيد الغني المترف من خادمه الشقية الفقيرة البائسة! أليس هذا هو ما تقدرين؟ فأريحي نفسك إذن من كل هذه الخواطر؛ فقد رأيت منذ موقفنا ذلك في المدينة أني لست سيداً كغيري من السادة، وقد رأيت أنا منذ عرفتك أنك لست خادماً كغيرك من الخدم. لقد دهشت حين رأيتك تنتظريني إلى آخر الليل على غير ما تعودت من الفتيات اللاتي سبقتك إلى خدمتي، ولكنى لم أكن أقدر أنك ستثيرين في نفسي ألواناً أخرى من الدهش..
ثم أطرق صامتًا فأطال الإطراق والصمت، ولبثت ماثلة ذاهلة لا أقول شيئًا، وأكاد لا أعي شيئًا، ولكنه رفع رأسه، وقال في صوت هادئ حزين: أتقبلين؟ قلت في صوت ليس أقل من صوته هدوءًا ولا حزنًا: فإن سيدي يعلم أن ليس إلى هذا من سبيل. قال: تفكرين في أبوي! فإني قد فكرت فيهما قبلك وقد حزمت أمري، وما أشك في أنهما لن يمتنعا علي، ولو قد فعلا لعرفت كيف أمتنع عليهما، ولكنهما لن يفعلا، فهل تقبلين؟ قلت: ليس إلى ذلك من سبيل. قال: فمن حقي عليك أن أفهم هذا الامتناع، إنك لتعلمين أن فراقاً بيننا مستحيل، وإني لأعلم كما تعلمين أن ليس لقلبينا رضا إلا في الزواج”.
وتبرز في الرواية أيضًا مهارة الكاتب في رسم البيئة الاجتماعية المصرية خلال النصف الأول من القرن العشرين؛ حيث تتجسد ملامح الحياة الريفية بكل تفاصيلها من خلال العادات، والعلاقات الأسرية، والمكانة الاجتماعية، والسلطة الذكورية، فضلًا عن تصوير الفوارق الطبقية بين الشخصيات، وقد منح هذا التصوير الرواية قيمة توثيقية إلى جانب قيمتها الأدبية؛ إذ أصبحت مرآة لمرحلة مهمة من تاريخ المجتمع المصري.
وقد حظيت “دعاء الكروان” باهتمام كبير من النقاد والدارسين، الذين رأوا فيها نموذجًا للرواية النفسية والاجتماعية في الأدب العربي، كما أسهم تحويلها إلى فيلم سينمائي ناجح في انتشارها بين جمهور أوسع، وأكد مكانتها بوصفها أحد أهم الأعمال الأدبية العربية في القرن العشرين، ويرجع هذا النجاح إلى قدرة طه حسين على الجمع بين الفكرة العميقة، والبناء الفني المحكم، واللغة المؤثرة، والشخصيات التي تظل حاضرة في ذاكرة القارئ.
وهكذا، تمثل رواية “دعاء الكروان” عملًا أدبيًا خالدًا يعكس رؤية طه حسين الإصلاحية والإنسانية، ويطرح أسئلة لا تزال حاضرة في مجتمعاتنا، مثل مكانة المرأة، وحدود سلطة التقاليد، والعلاقة بين العدالة والانتقام، وأثر التعليم في تغيير الواقع، وقد استطاع الكاتب أن يقدم من خلال هذه الرواية نصًا يجمع بين المتعة الفنية والرسالة الفكرية؛ مما جعلها واحدة من أهم الروايات العربية التي تستحق الدراسة والقراءة المتأنية على كل المستويات المختلفة، ليس فقط لقيمتها الأدبية، وإنما أيضًا لما تحمله من دلالات اجتماعية وإنسانية لا تزال حاضرة بقوة حتى اليوم.










