مثنوي مولانا جلال الدين الرومي
بين روعة الشعر وعمق التصوف
العشاق الذين يموتون على وعي
يموتون أمام المعشوق وكأنهم السكر
بادئ ذي بدء، نؤكد أن كتاب مثنوي لمولانا جلال الدين الرومي ليس مجرد ديوان شعر عادي مترجم عن لغة أجنبية، بل هو -في الحقيقة- مشروع فكري وأخلاقي وروحي، ترك أثرًا عميقًا في الثقافة الإسلامية والعالمية، ولا يزال حتى يومنا هذا -وسيظل- مصدرًا من مصادر الإلهام والتأمل والإبداع الذي لا مثيل له؛ لينهل منه عشاق الأدب العرفاني.
ويُعد كتاب “مثنوي” تأليف مولانا جلال الدين الرومي، وترجمة وشرح وتقديم الدكتور إبراهيم الدسوقي شتا من أبرز الترجمات العربية الحديثة لأحد أعظم الأعمال في التراث الصوفي الإسلامي والإنساني. وقد أسهمت هذه الترجمة في تقريب النص الفارسي الأصلي إلى القارئ العربي بلغة سلسة ورصينة تجمع بين أمانة النص وجمال الأسلوب؛ مما جعلها مرجعًا مهمًّا للباحثين والمهتمين بالأدب والتصوف.
وهو من أشهر مؤلفات جلال الدين الرومي (1207-1273م)، حتى إن بعض العلماء أطلقوا عليه لقب “قرآن الفارسية”، لا بمعنى مساواته بالقرآن الكريم -وهذا واضح أنه على سبيل المبالغة والأهمية والمكانة- وإنما لما يحمله من عمق روحي وأخلاقي وتأثير واسع في الأدب الفارسي. وليس بغريب أن ينقش على مزاره غزل له بالكامل عن الموت:
في يوم وفاتي عندما يسيرون بنعشي
لا تظن أني متألم الفراق هذا العالم
فلا تبك من أجلى ولا تقل وا أسفاه وا أسفاه
فوقوعك في مخيض الشيطان مدعاة للأسف
وعندما ترى نعشي لا تصرخ: الفراق
فوصالي هو في هذا الزمان ولقائي
وحين أودع القبر لا تقل الوداع الوداع
فالقبر هو حجاب على مجمع الجنان
يتكون الكتاب من نحو ستة مجلدات (دفاتر) تضم ما يقارب خمسة وعشرين ألف بيت شعري، صيغت جميعها في قالب “المثنوي”؛ أي النظم المزدوج في القصيدة، وهو أحد الأوزان الشعرية الفارسية التي تعتمد على ازدواج القافية؛ بحيث يتخذ شطرا البيت الواحد قافية خاصة، ويكون لكل بيت قافيته الداخلية، وبذلك تتحرر القصيدة من القافية الموحدة؛ مما يسمح بسرد القصص والحكايات الطويلة.
أما ترجمة الدكتور إبراهيم الدسوقي شتا -والتي كانت سبيلنا لفهمه ومعرفته ودراسته- فإنها تتميز بأنها اعتمدت على النص الفارسي الموثق، “عن النسخة التي حققها الدكتور محمد استعلامي، ونشرت في طهران -انتشارات زوار من 1360 هـ. ش. تاريخ طبع المجلد الأول حتى 1360 هـ. ش. تاريخ طبع المجلد السادس 1981-1991، كما روجعت على الطبعة المصورة عن مخطوطة قونيه -متحف مولانا- تهران 1371 هـ. ش. 1982 وعلى كافة النسخ المطبوعة للمثنوي، وبخاصة طبعة نيكسون وطبعة سيد محمد تقي جعفر”، مع شروح وهوامش وتقديم أعدها المترجم، تساعد القارئ العربي على فهم المصطلحات الصوفية والإشارات القرآنية والحديثية والرموز الأدبية التي يزخر بها النص. وعلى الرغم من الجهد الكبير الذي بذله في هذا الكتاب يقول في تصديره: “هذا ولا زلت أكرر أنني هنا لم أقدم الترجمة الفاصلة القاطعة لمثنوي حلال الدين الرومي، ولا الشروح التي تقطع قول كل خطيب، وقد أعود إليه أنا نفسي، وقد يعود إليه غيري… فكلها عطيات، والعطيات بقدر القابليات”.
لا يمكن تصنيف الكتاب من الناحية الشكلية على أنه ديوان شعر فقط، بل هو من الناحية الموضوعية والفنية موسوعة فكرية وروحية تجمع بين موضوعات عدة منها: القصص الدينية، والحكايات الشعبية، والأمثال، والتأملات الفلسفية، والتربية الأخلاقية، والتجربة الصوفية العرفانية.
ومن أشهر قصصه- على سبيل المثال: قصة عشق الملك لجارية مريضة وتدبيره من أجل شفائها، وقصة البقال والببغاء، وتعليم الوزير المكر للملك، ورواية التاجر للببغاء وما رآه من ببغاوات الهند، وقصة الفيل، وخلاصة قصة الأعرابي وزوجته، وقصة الأسد والأرنب، وقصة موسى والراعي، وذهاب أصم لعيادة جاره المريض، وقصة هاروت وماروت، وأول من قاس النص بالقياس إبليس، وحكاية ما جرى بين النحوي والملاح، وقصة الخليفة الذي فاق حاتم الطائي، وقصة إبراهيم بن أدهم على ساحل البحر…إلخ
ولا يروي الرومي هذه القصص لمجرد التسلية والمتعة وتمضية الوقت بلا هدف، بل يجعل كل قصة مدخلًا إلى تفسير رمزي يتعلق بالنفس الإنسانية، والعلاقة بين الإنسان والله، وقيمة الحب، والجهاد الداخلي، ومعنى المعرفة.
تكمن أهمية “مثنوي” في عدة جوانب:
أولًا: قيمته الأدبية
يعد المثنوي من أعظم الأعمال الشعرية في اللغة الفارسية، ويضعه النقاد إلى جانب ملاحم كبار الشعراء؛ مثل أبي القاسم الفردوسي وسعدي الشيرازي وحافظ الشيرازي، ويمتاز أسلوب الرومي بسهولة العبارة مع عمق المعنى، والقدرة على الانتقال بين السرد والشعر والحكمة والفلسفة دون تكلف.
2/٤٧٤٥ – “إن العشق ينضج خمر التحقيق، ويكون “هو” الساقي الخفي للصديق.
– وعندما تبحث أنت بالتوفيق الحسن، تكون الخمر هي ماء الروح، والإبريق هو الجسد.
– وعندما تزيد في خمر التوفيق، فإن قوة الخمر تكسر الإبريق.
– يتحول الماء إلى ساق، ويثمل بالماء، ولا تقل لي كيف؟ الله أعلم بالصواب.
– إن شعاع الساقي هو الذي انصب في العقار، فغلى العقار وصار رجراجا متماسكا”.
ثانيًا: قيمته الفكرية
يعرض المثنوي رؤية متكاملة للإنسان تقوم على: تزكية النفس، ومحاربة الكبر والغرور، وتهذيب الأخلاق، والبحث عن الحقيقة، وجعل الحب وسيلة لمعرفة الله.
2/٤٦٧٥- “لقد جعل فضل العشق الإنسان فضوليا، وهو من تزيده هذا ظلوم جهول.
– إنه جهول وفي هذا الصيد الصعب يعانق الأرنب أسدا.
– فمتى كان له أن (يجرؤ) على عناق الأسد، إذا كان قد رأى الأسد وعرفه؟
– إنه ظالم لنفسه ولروحه، فانظر إلى الظلم الذي يختطف الكرة من
أنواع العدل؟
– إن جهله أستاذ للعلوم، وظلمه قد صار رشادا لأنواع العدل”.
ثالثًا: قيمته الصوفية
يمثل المثنوي المرجع الأهم للطريقة المولوية، كما أصبح أحد أهم الكتب التي يدرسها الباحثون في التصوف الإسلامي، لما يتضمنه من تفسير رمزي للقرآن والحديث وتجارب الأولياء.
3/۲۷۰0- “فعالج العلة فعندما تقضي على العلة، يكون كل حديث قديم جديدا بالنسبة لك.
– بل إن ذلك القديم يورق من جديد، ويتفتح من جذوره الممتدة في الحفرة مائة عنقود (جديد).
ونحن (الأنبياء) أطباء وتلاميذ الحق، لقد رآنا بحر القلزم فانفلق.
– لكن أطباء الطبيعة شيء آخر، إنهم ينظرون إلى القلب عن طريق النبض.
– لكننا ننظر إلى القلب جيدا بلا واسطة، فنحن من الفراسة ننظر من عل”.
رابعًا: تأثيره العالمي
ترجم المثنوي إلى عشرات اللغات، ولا يزال من أكثر الكتب الصوفية قراءة في العالم، خاصة في أوروبا والولايات المتحدة؛ حيث يُنظر إلى الرومي بوصفه شاعرًا عالميًّا يخاطب الإنسان بغض النظر عن ثقافته أو دينه.
6/٣٤٣٠- “فاعلم أن طريق اللذة من الداخل لا من الخارج، واعلم أنه من البلاهة
البحث عن القصور والحصون!!
– فأحدهم في زاوية المسجد في نشوة وسعادة، وذاك في البستان عبوس ومكتئب.
– فالقصر ليس شيئا، فدمر البدن، فالكنز في الخرائب يا أميري.
– ألست ترى أنه في مجلس الشراب، يسعد الثمل عندما يتهدم تمامًا؟!
– فبالرغم من أن الدار مليئة بالرسوم فاهدمها، وابحث عن الكنز ثم عمرها بهذا الكنز”.
ولا يمكننا أن نغفل دور الدكتور إبراهيم الدسوقي شتا في ترجمتها وشرحه وتعليقاته، حيث تحظى هذه الترجمة بتقدير خاص للأسباب عديدة منها: الاعتماد على أصول فارسية موثقة، والدقة في نقل المعاني، والمحافظة على روح النص قدر الإمكان، وإضافة شروح لغوية وصوفية لما قد يبدو غامضا، وتفسير الإشارات القرآنية والحديثية، والتسلسل المنطقي للقصص، وربط كثيرًا من الإشارات بمصادرها الإسلامية؛ ولغته العربية الفصيحة التي تجمع بين السلاسة والأمانة العلمية، وتقديم النص للقارئ العربي دون إخلال بروحه الأصلية؛ مما جعل الترجمة صالحة للقراءة العامة والدراسة الأكاديمية في آن واحد. ولهذا أصبحت هذه الترجمة من أكثر الترجمات العربية تداولًا في الجامعات ومراكز البحث.
– “كان اسم المصطفى موجودا في الإنجيل، ذلك الزعيم للأنبياء وبحر الصفاء.
– كان ذكر حليته وشمائله موجودا، وكان موجودا أيضا ذكر غزوه وصومه وأكله.
– وكانت طائفة من النصارى جلبا للثواب، عندما كانوا يصلون إلى هذا الاسم والخطاب؛
– كانوا يقبلون هذا الاسم الشريف، وكانوا ينشرحون من ذلك الوصف اللطيف”.
وعن رأي الكتاب والمثقفين في هذا الكتاب نجد من يقول بأنه يرى أن الرومي بلغ في المثنوي قمة الشعر الصوفي، وأنه استطاع الجمع بين جمال الأدب وعمق الفكر الإسلامي، حتى أصبح الكتاب مدرسة في تربية النفس وتهذيبها وسموها، ومنهم من يقول -نيكسون- بأنه: “أعظم قصيدة صوفية أبدعتها الإنسانية”، ومنهم من يقول -آنا ماريا شميل- بأن الرومي تجاوز في مؤلفه الحدود الجغرافية والدينية، وأن المثنوي يقدم رسالة عالمية تقوم على المحبة والتسامح والبحث عن الحقيقة، وهو ما يفسر انتشاره الواسع في العصر الحديث، ومنهم من يذهب إلى أنه يمثل ذروة الأدب الصوفي الإسلامي، وأنه لا يمكن دراسة التصوف الفارسي أو الأدب الفارسي دون الرجوع إليه، كما يعد مصدرًا غنيًّا لدراسة الرمز والأسطورة والقصص التعليمية.
يعالج المثنوي عددًا كبيرًا من القضايا الفكرية والإنسانية، منها: معنى الحب الإلهي، والحرية والإرادة، وعلاقة العقل بالقلب، والصراع بين النفس والروح، وقيمة العلم والعمل، والتواضع، والصبر، والتوبة، والإخلاص، والحكمة من الابتلاء، ووحدة القيم الإنسانية. ويتميز الرومي بأنه يعرض هذه الموضوعات من خلال قصص رمزية تجعل المعاني الفلسفية أقرب إلى القارئ.
وفي النهاية، يبقى “مثنوي مولانا جلال الدين الرومي” واحدًا من أعظم الكتب في تاريخ الأدب الصوفي؛ إذ يجمع بين الشعر والحكمة والفلسفة والتربية الروحية العرفانية في عمل واحد. وتأتي ترجمة الدكتور إبراهيم الدسوقي شتا لتمنح القارئ العربي فرصة الاقتراب من هذا الأثر الخالد بلغة واضحة وأسلوب علمي كاف وشاف ورصين.









