تأملات في نقد العقل العربي
يُعد كتاب “نقد العقل العربي” للكاتب والمفكر طارق حجي من الكتب الفكرية التي تبهرك منذ الوهلة الأولى، سواء من ناحية الموضوع أو أفكاره أو لأن الكتب في هذا الموضوع قليلة جدًّا، بصرف النظر عن قبولنا لكل ما جاء في الكتاب، أو قبول بعضها والإعراض عن بعض، أو رفض كل ما جاء في الكتاب كلية، فكلها أمور تخضع لثقافة القارئ وقناعاته الشخصية. والكتاب -في جملته- يدعو إلى مراجعة أنماط التفكير السائدة في المجتمعات العربية، ويركز مؤلفه على تحليل الأسباب الثقافية والفكرية التي يراه عائقا ومانعا في سبيل تحقيق التقدم والتنمية، وفي الوقت نفسه يرى أن المشكلة ليست في القدرات العقلية للعرب، وإنما في أساليب التفكير والقيم والممارسات الثقافية التي تشكل الوعي الجمعي، ومن ثم يجب إعلاء قيم العقلانية والحرية والنقد الذاتي.
وسأبدأ بما انتهى إليه المؤلف في كتابه؛ إذ استعار مقولة جبران خليل جبران، والتي كتبها عام 1920 في كتابه “العواصف” خاتمة لما جاء في كتابه من أفكار: “بالاختصار، فالشرقيون يعيشون في مسارح الماضي الغابر، ويميلون إلى الأمور السلبية المسلية المفكهة، ويكرهون المبادئ والتعاليم الإيجابية المجردة التي تلسعهم وتنبههم من رقادهم العميق المغمور بالأحلام الهادئة. إنما الشرق مريض، قد تناوبته العلل وتداولته الأوبئة، حتى تعود السقم، وألفه وأصبح ينظر إلى أوصابه وأوجاعه كصفات طبيعية، بل كخلال حسنة ترافق الأرواح النبيلة والأجساد الصحيحة، فمن كان خاليًا منها عُدّ ناقصًا محرومًا من المواهب والكمالات العلوية.. وأطباء الشرق كثيرون يلازمون مضجعه ويتآمرون في شأنه، ولكنهم لا يداوونه بغير المخدرات الوقتية التي تطيل زمن العلة ولا تبرئها. أنا أبكي على الشرقيين؛ لأن الضحك على الأمراض جهل كبير، وأنا أنوح على تلك البلاد المحبوبة؛ لأن الغناء أمام المصيبة غباوة عمياء”.
وفي مقدمة طبعته الثالثة يقف أمام طويلا أمام مقولة جبران ردًّا على الانتقاضات التي يقوله بعض القراء والمفكرين، موضحا وجهة نظره قائلا: “فهل أخطأت لأنني تعاملت مع المريض (وهو عزيز لأقصى درجة) بمنطلق الطبيب الذي يقول كل شيء عن مرضه، أم كان من الواجب أن أطمئن المريض وأقول له: لا عليك، إنها مجرد وعكة! لا شك أن لحظة أن الأمانة والانتماء والإخلاص تحتم جميعها أن أحدث المريض بالروح التي استلهمتها من جبران، حتى لو غضب المريض غضبا عاصفا”.
يناقش المؤلف أسباب الظواهر التي يعتبرها من أبرز معوقات التقدم، ومنها: تمجيد الماضي بصورة مبالغ فيها، ورفض النقد، وضعف ثقافة الحوار، وانتشار التعصب الفكري، إضافة إلى قصور نظم التعليم والإعلام في تنمية التفكير النقدي والإبداعي، ويؤكد أن المجتمعات التي تتقدم هي تلك المجتمعات التي تشجع على التساؤل وتقبل الاختلاف واحترام الرأي الآخر، بينما يؤدي غياب هذه القيم إلى الجمود والتخلف والرجوع إلى عصور ما قبل التاريخ؛ وربما هذا ما جعله يولي اهتماما كبيرا لقضية التعليم باعتباره حجر الأساس في بناء الإنسان، وهذا التعليم ليس المقصود به الطريقة التقليدية القائمة حفظ المعلومات فحسب، بل التعليم القائم على تنمية القدرة على التفكير والتحليل والاستنتاج، ويقرن به وسيلتي الإعلام والثقافة لما لهما من دور كبير في تشكيل الوعي الجمعي، وإصلاحهما يعد جزءًا أساسيًا من أي مشروع حضاري يهدف إلى التقدم.
ويقف -أيضا- عند “النقد الذاتي” موضحا أنه ليس المقصود به الهجوم على المجتمع أو التقليل من شأنه، بل هو وسيلة للإصلاح والتطوير؛ فالمجتمعات الناجحة لا تخشى الاعتراف بأخطائها، وإنما تعد ذلك خطوة ضرورية نحو التغيير، ويؤكد في الوقت ذاته أن التسامح الفكري واحترام التنوع والاختلاف يمثلان من أهم مقومات بناء مجتمع حديث قادر على المنافسة في عالم سريع التغير، سريع التطور، واللحاق به يحتاج إلى جهد كبير، وطاقة غير تقليدية. وهو ما يظهر في عناوين فصول الكتاب، ومنها: تقلص السماحة في تفكيرنا المعاصر، المغالاة في مدح الذات، ثقافة الكلام الكبير، الآخرون.. معنا أم ضدنا، الإقامة في الماضي، وضيق الصدر بالنقد، الاعتقاد المطلق في نظرية المؤامرة، تمجيد الفرد.
وقد أكد مؤلف الكتاب في الخاتمة قائلا: “وكاتب هذه السطور يؤمن إيمانًا عميقًا وصلبًا بأن الإنسان بصفته (موردًا بشريًا) سيكون هو عماد الحركة المجتمعية المستقبلية بوجه عام، والحركة الاقتصادية بشكل خاص، وهو ما يعنى حتمية العمل الجاد على خلق إنسان أكثر تحررًا من عيوب التفكير الموصوفة في هذا الكتاب حتى يكون إنساناً تنافسياً فعالاً (Effective) يملك القدرة على خلق مكان (Competitive Person) متميز في عالم الواقع الجديد؛ حيث تنحسر سبل الحماية الاصطناعية، وينفتح المجال على مصراعيه أمام التنافس بكل ما تعنيه الكلمة من معان”.
وقد أثار الكتاب نقاشًا واسعًا بين القراء والمثقفين؛ إذ أشاد البعض بجرأة المؤلف في طرح قضايا مسكوت تتعلق بالثقافة العربية، والفكر العربي، وتمثل في الوقت ذاته دعوة ضرورية للمراجعة والإصلاح. وعلى النقيض، رأى آخرون أن تحليله يركز بدرجة كبيرة على العوامل الثقافية، في حين أن مشكلات العالم العربي ترتبط أيضًا بعوامل سياسية واقتصادية واجتماعية لا تقل أهمية عنها؛ ونتيجة لذلك ظل الكتاب محل نقاش بين المؤيدين والمعارضين، وهو ما يؤكد ثراء الكتاب بالأفكار التي حركت المياه الراكدة، قبولا أو رفضًا.
ونجد المفكر محمد عابد الجابري ينطلق من سؤال أساسي، في السياق نفسه: لماذا تعثّر مشروع النهضة العربية الحديثة؟ ويرى أن المشكلة ليست -كما يراها البعض- سياسية أو اقتصادية فحسب، بل تمتد إلى ما هو أبعد من ذلك، وهو طريقة التفكير نفسها؛ أي إلى “العقل العربي”، كما تشكّل تاريخيًا داخل الثقافة العربية الإسلامية؛ لذلك لا يكتفي بنقد التراث بوصفه مادة محفوظة، بل يحاول تحليل الآليات الذهنية والمعرفية التي حكمت هذا التراث وأحاطته بسياج عازل مانع من التواصل مع مستجدات العصر ومستحدثاته، وكيف أنها ما زالت تؤثر في التفكير العربي المعاصر. ولذا فالجابري يقصد بـ “النقد” -هنا- فحص البنية الداخلية للعقل العربي: كيف يفهم، وكيف يستدل، وما المصادر التي يعتمد عليها في إنتاج المعرفة، وهو لا يستخدم كلمة “نقد” بمعنى الرفض الكامل، بل بمعنى التمييز بين ما هو صالح وما هو معوق، وبين العناصر العقلانية والعناصر غير العقلانية في التراث؛ فالمشروع الفكري -عنده- ليس هدمًا للتراث، بل إعادة قراءته قراءة تحليلية تسمح ببناء وعي حديث أكثر قدرة على البرهان والنقد.
وفي الختام، نقول إن كتاب “نقد العقل العربي” للمفكر طارق حجي -على الرغم من صغر حجمه- يعد محاولة فكرية لإعادة النظر في أنماط التفكير السائدة، والدعوة إلى تبني قيم العلم والعقل والحوار والنقد البناء. وسواء اتفق القارئ مع جميع أفكار طارق حجي أم اختلف معها، فإن الكتاب يثير أسئلة مهمة حول أسباب التقدم والتخلف، ويشجع على التفكير في سبيل بناء مجتمع أكثر انفتاحًا وقدرة على مواجهة تحديات العصر. لذا يُعد من الكتب التي تسهم في إثراء الحوار حول قضايا المجتمع، ولا حرج في مراجعة أنفسنا وتقييمها وتقويمها في آن واحد، ومواجهة أخطائنا بإخلاص وشجاعة.









