جدلية القمع والخوف في مرآة التاريخ
“الزيني بركات” لجمال الغيطاني نموذجًا
تُعدُّ رواية “الزيني بركات” للروائي المصري جمال الغيطاني واحدة من أبرز الأعمال الأدبية الاجتماعية الواقعية التي استطاعت أن تجعل من التاريخ مرآةً كاشفة للحاضر بكل ما فيه، ومن أحداث الحكاية التاريخية ووقائعها وسيلةً للكشف عن طبيعة العصر وسماته، وركزت بصفة خاصة على جوانب معينة، منها السلطة، والاستبداد، وعلاقة الحاكم بالمحكوم… إلخ. تدور أحداثها في القاهرة إبان أواخر العصر المملوكي قبيل الغزو العثماني، وما يلاقيه المجتمع من آليات السلطة والقمع والبطش ونشر الرعب والخوف -وإن شئت فقل الإرهاب والإرعاب- في النفوس عبر شخصية “الزيني بركات بن موسى”، محتسب القاهرة الغامض الذي يجمع بين العدل الظاهري وشبكات الرقابة اللا محدودة؛ ظاهرها نشر العدل، وباطنها إحكام القبضة الحديدية على رقاب العباد.
وقد اختار “الغيطاني” فترةً تموج بالاضطرابات والقلاقل من تاريخ مصر- أواخر العصر المملوكي؛ ليعيد تشكيلها روائيًّا، مستثمرًا جهود المؤرخين، وما خلفوه من المادة التاريخية المسرودة في كتبهم، غير أن قيمة الرواية لا تكمن في إعادة سرد التاريخ وإعادة الأحداث، وإنما في تحويله إلى سؤال اجتماعي وسياسي وإنساني يتجاوز حدود زمن وقوع الأحداث في هذه الفترة الماضية، ويمتد ليصبح كاشفًا ومعبرًا عن أحداث تتكرر عبر العصور، ويقدم الكاتب فيها عبرًا من التاريخ الذي يعيد نفسه في فترات كثيرة، ووعظ غير مباشر ليعتبر أولو الألباب؛ وعن هذه الفترة يقول: “تضطرب أحوال الديار المصرية هذه الأيام، وجه القاهرة غريب عني، ليس ما عرفته في رحلاتي السابقة، أحاديث الناس تغيرت أعرف لغة البلاد ولهجاتها، أرى وجه المدينة مريضًا يوشك على البكاء، امرأة مذعورة تخشى اغتصابها آخر الليل، حتى السماء نحيلة زرقاء، صفاؤها به کدر، مغطاة بضباب قادم من بلاد بعيدة، أذكر قرى الهند الصغيرة؛ إذ يدركها الوباء، يثقل هواؤها بالرطوبة، الليلة، تنتظر البيوت أمرًا قد يأتي غدًا أو بعد غد، أصغي إلى وقع حوافر تصطدم بحجارة الطريق، تبعد تنأى، أطل من مشربية البيت محاذرًا أن يراني أحد، أطل والظلام يلف البيوت…”؛ ولذلك يمكن قراءة رواية “الزيني بركات” بوصفها رواية عن الاستبداد في كل زمان ومكان، أكثر من كونها مجرد رواية عن “العصر المملوكي” الغابر، وتؤكد دراسات نقدية حديثة أن الرواية تقوم على مساءلة الواقع من خلال استعادة التاريخ واستخدام تيمة الإسقاط، وأنها تقدم صورًا مختلفة ومتنوعة للاضطهاد والظلم والاختلال السياسي والاقتصادي والاجتماعي الذي عانه المجتمع.
ومن الناحية الأدبية، يقوم الغيطاني على استخدام تقنية شديدة الذكاء، تتمثل في استدعاء الماضي بملامحه المختلفة ولغته ووثائقه وأحداثه المتنوعة، ثم إعادة صياغته داخل بناء روائي حديث؛ وهو ما يؤكد أن التاريخ -من وجهة نظر الغيطاني- ليس مادة جامدة، وإنما هو فضاء يسمح للكاتب -بوجه عام- بأن يطرح أسئلة الحاضر دون أن يقع في المباشرة، وما يتبعها من مسؤوليات وتبعات، وقد أشار بعض الدارسين إلى أن الرواية تستفيد من التاريخ، لكنها لا تلتزم به التزام الرواية التاريخية التقليدية؛ إذ يعيد الغيطاني بناء الشخصيات والأحداث بما يخدم رؤيته الفنية والفكرية؛ الظاهرة والباطنة.
وهنا تظهر أهمية شخصية “الزيني بركات”؛ فهو ليس مجرد شخصية تاريخية، وإنما يتحول داخل الرواية إلى رمز مركب للسلطة التي تستطيع أن تظهر في صورة الإصلاح والعدل، بينما تمارس في الوقت نفسه السيطرة والرقابة والقمع. وهذه المفارقة هي إحدى أهم المفارقات في الرواية: فالمستبد الظالم الطامع لا يقدم نفسه بالضرورة باعتباره مستبدًا، وإنما قد يظهر في صورة الحامي والمنظم والساعي إلى تحقيق الأمن والإصلاح الاجتماعي والمقاومة؛ ضد السلطة المتلونة التي تضفي على قمعها وجرائمها يمنح مظهرًا أخلاقيًّا أو قانونيًّا، بمعاونة من الحاشية، والسائرين على الدرب نفسه. يقول في قرار تعيين الزيني “قررنا
يتولى بركات بن موسى حسبة القاهرة لما تبين لنا بعد ما قدمناه، ما فيه من فضل وعفة، وأمانة وعلو همة، وقوة وصرامة، ووفور هيبة وعدم محاباة أهل الدنيا وأرباب الجاه، ومراعاة الدين، كما أنه لا يفرق في الحق بين الرفيع والحقير، لهذا أنعمنا عليه بلقب “الزيني” يقرن باسمه بقية عمره، وقد أوصيناه بالنظر في المكاييل والموازين والتحذير من الغش في طعام أو شراب، وأن يتعرف الأسعار، وأن يستعلم ويستقصي الأخبار، ما يتردد على أفواه الناس في كل درب أو حارة، كل بيت أو سوق، بدون علم أهله، وأن يعين له نوابًا ينظرون أمور المسلمين، بشرط أن يكونوا أمناء مؤمنين مأمونين… هذا ما رأيناه، وبه أمرنا، وسلام على أشرف الخلق سيد المرسلين محمد بن عبد الله -صلى الله عليه وسلم.” ومن الشخصيات الأساسية في الرواية: الزيني بركات: الشخصية المحورية المحيرة بين العدل الظاهري وسطوة السلطة والغموض؛ زكريا بن راضي: كبير البصاصين والمرعب الذي يدير شبكة الجواسيس؛ الشخصيات الشعبية والرحالة.
وتبرز الرقابة -والمراقبة- باعتبارها واحدة من أهم آليات السيطرة في عالم الرواية؛ فالمجتمع لا يعيش فقط تحت سلطة الحاكم فحسب، بل يعيش تحت سلطة العيون التي تراقب، والوشاة التي تبلغ وتنقل الأخبار، إن لم تزد عليها. وهنا يتحول الإنسان من كائن يعيش في مجتمع طبيعي إلى كائن يخشى المجتمع نفسه؛ فالخوف لا ينتج فقط عن العقوبة، بل عن الإحساس الدائم بأن الإنسان مراقَب طوال الوقت، وهناك من يتتبع تحركاته، ويعد عليه أنفاسه، وأن كلامه الملفوظ والمكتوب، وحركته البطيئة والسريعة، وعلاقاته بالليل والنهار، يمكن أن تصبح مادةً خصبة للوشاية والزج به حيث يريدون.
وهذا البعد يجعل الرواية شديدة العمق من الناحية الاجتماعية؛ لأن الغيطاني لا يصور القمع باعتباره علاقة مباشرة ضدية بين حاكم قوي وشعب ضعيف فحسب، بل يكشف كيف يستطيع النظام القمعي أن يجعل أفراد المجتمع أنفسهم أدواتٍ لاستمرار القمع، وتحويل هذا القمع إلى أسلوب حياة ونظام معايشة؛ وفي أي مجتمع تنتشر الوشاية والشك وتعم الوساوس، تنهار الثقة بين الناس، ويصبح كل شخص حذرًا من الآخر؛ ولو كان من أقرب المقربين إليه. وهكذا تتحول السلطة من مؤسسة خارجية إلى حالة نفسية واجتماعية تسكن داخل الإنسان نفسه تلازمه حتى الموت.
ومن أخطر نتائج هذا النظام القمعي -في تاريخ العصر المملوكي- أن الخوف يصبح أسلوب حياة؛ فالإنسان الذي يخشى السلطة باستمرار يبدأ في مراقبة نفسه قبل أن تراقبه السلطة، ويحسب كلماته وتصرفاته وعلاقاته كنوع من الوقاية وعدم الزلل، وبذلك يحقق الاستبداد أقصى درجات نجاحه؛ إذ لا يحتاج إلى استخدام القوة في كل لحظة؛ لأن الخوف يصبح جزءًا من وعي الناس. وهذه الفكرة تمنح الرواية بعدها الإنساني العميق؛ لأنها لا تتحدث فقط عن التعذيب والسجن والعنف، وإنما عن الأثر النفسي الطويل للاستبداد في شخصية الإنسان وتتبع تحولاته وتقلباته؛ فضلا عن أن الرواية تكشف عن البعد الاقتصادي والاجتماعي للقمع؛ ففي ظل الاستبداد لا يعيش المرء بالاعتماد على القوة وحدها، وإنما يرتبط البقاء والقوة والسيطرة بالمال والمصالح والاحتكار واستغلال الفئات الضعيفة، ومن ثم اختلال المجتمع؛ ويصبح الفقر جزءًا من منظومة السيطرة، وربما هذا ما جعل الغيطاني يقرن بين السياسي والاجتماعي، ويقدمهما باعتبارهما وجهين لمشكلة واحدة، هي القمع بكل صوره. ورغم ذلك فإن “لكل أول آخر، ولكل بداية نهاية”.
ومن الناحية الاجتماعية أيضًا، تقدم الرواية صورة لمجتمع تتفاوت فيه القوى وتنقسم إلى شرائح متعددة؛ فهناك أصحاب السلطة والنفوذ، وهناك عامة الناس الذين يدفعون ثمن الصراعات السياسية، وتكشف هذه الثنائية أن المجتمع الذي يفقد العدالة يتحول تدريجيًا إلى مجتمع طبقي، تصبح فيه الحقوق مرتبطة بموقع الإنسان من السلطة، لا بإنسانيته المعهودة.
وتبرز في الرواية كذلك علاقة أخرى مهمة هي: السلطة والدين؛ فحين تستخدم السلطة الخطاب الديني أو الأخلاقي لتبرير ممارساتها، يصبح الدين نفسه معرضًا للتوظيف السياسي، ولا تكمن المشكلة هنا في الدين، وإنما في تحويل المقدس إلى أداة لتبرير الهيمنة. ومن خلال هذه المفارقة يطرح الغيطاني سؤالًا بالغ الأهمية: هل يمكن للسلطة أن تكون عادلة بمجرد أن تتحدث عن العدل؟ أم إن العبرة بما تفعله حقيقة وفعلا بالإنسان؟
أما من الناحية الفنية، فإن الغيطاني يخلق أسلوبًا سرديًّا مميزًا من خلال الجمع بين التاريخ والتخييل والوثيقة والسرد الروائي، وتساعد هذه الطريقة على خلق إحساس بأن القارئ لا يقرأ رواية فقط كأي رواية اعتاد قراءتها أو تصفحها، وإنما يفتح ملفًا تاريخيًّا مليئًا بالأصوات والشهادات والأخبار، واستخدم الكتاب ببراعة الوصف والتكرار والتشبيه والاستعارة والتناص في البناء الفني. ومن ذلك النداءات الواردة في الرواية:
“يا أهالي مصر.
نوصي بالمعروف وننهى عن المنكر.
اليوم.. خرج السلطان إلى الريدانية.
بدأ لعب الكرة، وكله عافية.
أمده الله بالصحة والقوة.
يا أهالي مصر.
ما زالت الوحشة والقطيعة مستمرة.
بين الأمير طشتمر والأمير خاير بك.
وكل منهم مترصد للآخر.
فانتبهوا…”.
كما أن اللغة نفسها تؤدي وظيفة نقدية؛ فاختيار لغة ذات نكهة تراثية يمنح الأحداث مصداقية تاريخية معبرة عن تلك الحقبة، لكنه في الوقت نفسه يجعل المفارقة أكثر قوة؛ لأن القارئ المعاصر يكتشف أن المشكلات التي يقرأ عنها ليست حبيسة الماضي. وهكذا يصبح الماضي حاضرًا، ويصبح التاريخ وسيلة لفهم المجتمع لا للهروب من واقعه، وقد برع الغيطاني في تقديم صورة للمقموعين وآليات القمع وبث الخوف بين الناس، من خلال تحويل بعض أفراد المجتمع إلى أدوات لمراقبة الآخرين.” في القلب جراح صعبة الاندمال النفس غابة أسنة وحراب مرشوقة لا تنتزع، لا سد يوقف الأسى المنثال، يذوي الأول والآخر، يضيع المثنى والمفرد التاء المفتوحة نهاية النهاية، موت الآمال وليد فراق الأحبة، أما الأماني فتنأى في أول العمر يهتف خاطر خفي دفين جبينك لم تدركه الغضون صدى وسوسات النجوم. يشد الأرض إلى السماء. قلوب الخلق تنهج بالمر والبلوى. لكن صبرًا مهلا. بعد سنوات ستجيء الأيام السعيدة. لن يستقر الأمر على حاله…”.
ويمكن القول إن جمال الغيطاني استطاع أن يجعل من “الزيني بركات” رواية عن الإنسان قبل أن تكون رواية عن التاريخ؛ فالإنسان في هذا العمل يبحث عن الأمان والعدل والكرامة، لكنه يصطدم بمنظومة سياسية واجتماعية تحاول إخضاعه؛ ومن هنا، فإن قضية الحرية ليست قضية سياسية فقط، وإنما قضية إنسانية تمس أبسط حقوق الفرد في أن يعيش دون خوف، ويقاوم الاستبداد المتفشي في المجتمع؛ فالاستبداد لا يعتمد على السجن والعقاب فقط، بل يعتمد أيضًا على نشر الشك، وتفكيك العلاقات الإنسانية، والسيطرة على المعلومات، وإفقار الناس، وإشاعة الخوف.
إن الرواية تعلمنا أن أخطر ما يفعله القمع ليس إيذاء الجسد فحسب، وإنما إفساد العلاقة بين الإنسان ونفسه وبين الإنسان والآخرين، وحين يصبح الخوف لغة مشتركة بين أفراد المجتمع، يصبح الاستبداد أكثر قدرة على الاستمرار. ولذلك فإن الرسالة الأساسية التي يمكن استخلاصها من العمل هي أن العدالة ليست ترفًا، والحرية ليست امتيازًا، وأن المجتمع الذي يفقد حقه في السؤال والاعتراض يتحول تدريجيًّا وبطريقة ممنهجة إلى مجتمع يعيش تحت سلطة الخوف. وما أدراكم ما الخوف؟ وما أدراكم ما الكوارث النفسية والاجتماعية للخوف؟
وهكذا تظل “الزيني بركات” رواية تاريخية في مادتها المعرفية الواقعية، لكنها معاصرة في أسئلتها، إنسانية في قضاياها، واجتماعية في نقدها، وفنية في بنائها. وهذا هو سر قوتها؛ فهي لا تطلب من القارئ أن يتذكر الماضي فحسب أو يعيش فيه، بل تدفعه إلى أن يسأل عن الحاضر ويتعايش وينخرط في مشكلاته: كيف تبدأ السلطة في السيطرة؟ وكيف يتحول الأمن إلى ذريعة للقمع؟ وكيف يصبح الخوف وسيلة للحكم؟ والأهم: كيف يستطيع الإنسان أن يحافظ على إنسانيته حين تحاصره السلطة من كل جانب؟ وكيف يعيش الإنسان إنسانًا، دون تغيير أو تبديل في صفاته التي فطر الله الناس عليها؟









