في زمن تتسارع فيه وسائل الإتصال وتتدفق المعلومات عبر الشاشات والمنصات الرقمية بلا حدود، أصبح الإعلام أحد أهم أدوات التأثير في تشكيل الرأي العام وصناعة الوعي المجتمعي غير أن بعض الفضائيات خرجت عن رسالتها المهنية والأخلاقية، واتخذت من إثارة الفتن وبث الشائعات وسيلة لتحقيق أهداف سياسية أو أيديولوجية، لتتحول من منابر إعلامية إلى أدوات لصناعة الفوضى وتزييف الحقائق.
تعتمد فضائيات الفتنة على أساليب مدروسة تستهدف التأثير في عقول المشاهدين، من خلال تضخيم الأحداث، وانتقاء المعلومات بما يخدم توجهاتها، وتقديم التحليلات المنحازة على أنها حقائق ثابتة كما تلجأ إلى استضافة شخصيات مثيرة للجدل تعمل على تأجيج الخلافات وإثارة الإنقسامات داخل المجتمع، الأمر الذي يؤدي إلى نشر حالة من التوتر والاحتقان بين المواطنين.
ولا تقتصر خطورة هذه الفضائيات على نشر معلومات مغلوطة أو أخبار غير دقيقة، بل تمتد إلى محاولة إعادة تشكيل وعي الجماهير بصورة تخدم أجندات معينة، عبر التشكيك في مؤسسات الدولة، وبث مشاعر الإحباط واليأس، وإضعاف الثقة في كل ما يمثل ركائز الإستقرار الوطني وهنا تصبح المعركة الحقيقية معركة وعي وإدراك، لا مجرد مواجهة إعلامية عابرة.
لقد أثبتت الأحداث في العديد من الدول أن الشائعات والأخبار المضللة كانت في كثير من الأحيان شرارة أزمات كبرى، وأن الإعلام غير المسؤول يمكن أن يتحول إلى أداة لهدم المجتمعات بدلًا من بنائها لذلك فإن المسؤولية لا تقع على المؤسسات الإعلامية وحدها، بل تمتد إلى كل فرد مطالب بالتحقق من المعلومات وعدم الإنسياق وراء ما يُنشر أو يُبث دون تمحيص.
إن بناء الوعي المجتمعي وتعزيز الثقافة الإعلامية أصبحا ضرورة وطنية لمواجهة حملات التضليل والتشويه، فالمواطن الواعي هو القادر على التمييز بين الحقيقة والزيف، وبين النقد البناء ومحاولات التحريض والتخريب.
وختاماً تبقى الكلمة أمانة، والإعلام رسالة سامية تهدف إلى التنوير والبناء، لا إلى الهدم وإشعال الفتن وما أحوج مجتمعاتنا اليوم إلى إعلام مسؤول يرسخ قيم الإنتماء والوحدة الوطنية، ويحمي العقول من محاولات التضليل وتزييف الوعي.











