يا كعبة الله…ما أعظمك!
لم أكن أعلم أن للقلب لحظةً يتوقف فيها عن كل شيء، وينسى كل شيء مر به من صعوبات وتحديات وهموم كالجبال، إلا حين وقعت عيناي على الكعبة؛ فقد تغيرت كل الترتيبات، وتاهت النفس في عالم روحاني إيماني منفصل عن كل الدنيا بما فيها.
فقد كنت فبل أن أصل إليها، أحمل في صدري أشواقا لا أعرف كيف أصفها. كنت أسمع عن البيت الحرام، وأرى صور الكعبة ليل نهار، في كل الوسائل المرئية، وأشاهد الناس يطوفون حولها، فأشعر بشيء يتحرك في أعماقي، ويهز وجداني، شيء يشبه النداء البعيد الذي لا يسمعه أحد سواي، نداء من أجلي فقط. كنت أقول في نفسي: متى يأتي اليوم الذي أقف فيه هناك؟ متى تطأ قدماي أرضًا طالما اشتاق إليها قلبي؟ متى أرفع عيني فأرى بعيني ما طالما رأيته في خيالي؟ متى أضع همومي التي أثقلتني وأشعر بالراحة؟ متى أتخلص مما عانيت وأجد العوض من الله؟ وكلي ثقة أن الخير قادم لا محالة رغم كل شيء، فالله معي ويكفيني، وبه أملك الدنيا كلها، والقرب منه شرف، وزيارة بيته كرامة وعزة ومنحة منه سبحانه وتعالى.
كانت الكعبة بالنسبة إليّ أمنيةً مؤجلة، ودعوةً أرجو أن يكتبها الله لي، خاصة في هذا التوقيت الذي شعرت فين بأمور كثيرة معقدة لا علاقة لي بها لا من قريب ولا من بعيد. وكلما تأخر اللقاء، ازداد الشوق، حتى صار الشوق نفسه عبادةً في قلبي ملكت علي كل كياني. كنت أتخيل اللحظة مرارًا؛ عشت أتخيل نفسي داخل المسجد الحرام، أبحث بعيني بين الناس، ثم تقع عيناي عليها… لكنني لم أكن أعلم أن الحقيقة ستكون أعظم من كل خيال، وأن الفضل قادم لا محالة فهو أكرم الأكرمين.
وحين اقتربت، شعرت أنني لا أقترب من مكان فحسب، بل أقترب من عمرٍ كامل من الدعاء والبكاء والرجاء.
كنت أمشي، وفي داخلي رغبة ورهبة لا تشبه شيئًا عرفته من قبل. الكلمات التي أعددتها اختفت تماما. الدعوات التي حفظتها -طلبا للخير أو انتقاما ممن أرهقوني في الصراعات ظلما وعدوانا- تفرقت. حتى الأفكار التي ازدحمت في رأسي طوال الطريق سكنت فجأة يكونا عجيبا. شعرت أنني ذاهب إلى لقاء لا تنفع فيه البلاغة، ولا يحتاج فيه القلب إلى أن يشرح نفسه ولا أن يظل يشكو ويدعو؛ فالله يعلم كل ما أخفيته، ويعلم كم اشتقت، وكم دعوت، وكم تخيلت هذه اللحظة.
ثم رأيتها.
يا الله… يا الله…. يا الله
رأيتها… رأيتها رأي العين.
وفي تلك اللحظة، لم أشعر أنني أنا الإنسان نفسه الذي دخل قبل دقائق مزدحمة بكل ما ذكرت. شيء ما انكسر في داخلي، وشيء آخر وُلد.
توقفت عيناي، وارتجف قلبي، وضاقت الدنيا كلها حتى لم يبقَ في بصري إلا ذلك البيت العظيم المهيب، بيت الله الحرام. شعرت بعظمة المكان، لكنني في الوقت نفسه شعرت بصغري؛ كأن كل ما كنت أظنه كبيرًا في حياتي أصبح صغيرًا جدًا أمام هذه اللحظة. لم أفعل شيئا عظيما حتى أصل إلى هنا، ما تحملته من صبر وتحمل قليل جدا أمام هذا الكرم الكبير، فهذا المكان عظيم، ولا يأتيه أحد اختياريا، بل يأتيه بمنحة من الله.
لم أستطع أن أمنع دموعي.
بكيت، لا لأنني حزين، بل لأنني كنت عاجزًا عن استيعاب النعمة وعظمة الخالق الحنان المنان. بكيت لأن الله الكريم بلغني مكانًا طالما تمنيت أن أبلغه، وألبي وأصلي فيه. بكيت لأنني كنت واقفًا أمام بيت الله وكعبته المشرفة، وأنا الذي كنت أراه بعيدًا في الخيال، وغير مستعد لهذه الرحلة، فإذا به الآن أمام عيني. بكيت لأن سنوات الشوق كلها اختُصرت في نظرة واحدة، نظرت حقيقية لا يستوعبها الإنسان، وهو أمام هذا الجلال والجمال.
تذكرت كم مرة دعوت الله أن يرزقني الوصول، وكم مرة قلت: “اللهم ارزقني زيارة بيتك الحرام”، وكم مرة تخيلت الطواف، وتقبيل الحجر الأسود، ومقام إبراهيم، وشرب ماء زمزم، والوقوف ضمن صفوف المصلين، وصوت التلبية يملأ المكان، وحمام الحرم، وجمال المآذن، والسعي بين الصفا والمروة، والاستماع للقرآن داخل الحرم…إلخ.
وها أنا الآن هنا.
هنا، حيث تهفو القلوب قبل الأجساد.
هنا، حيث يشعر الإنسان أن الدنيا مهما اتسعت لا تساوي شيئًا أمام لحظة قربٍ صادقة من الله الكريم.
نظرت إلى الكعبة طويلًا، وكأنني أخشى أن يرمش جفني فتغيب. كنت أريد أن أحفظ كل شيء: سواد كسوتها المبهر، وهيبتها، وجلالها، وحركة الطائفين حولها، والأصوات المتداخلة في الدعاء والتلبية والتضرع إلى الله، من كل لون وجنس، والدموع التي تنزل من وجوه لا أعرف أصحابها، لكنها تشبه دموعي.
في تلك اللحظة فهمت أن بعض الأماكن لا تُزار بالقدمين وحدهما، بل يُقبل عليها القلب قبل الجسد بسنوات، ويعيش هذه الحالة كل يوم قبل اللقاء.
وفهمت أن الشوق إلى الكعبة كان نعمةً في حد ذاته؛ فقد علّمني الانتظار، وعلّمني الدعاء، وعلّمني أن أشتاق إلى الله الحنان قبل أن أشتاق إلى بيته الحرام.
وقفت أمامها وأنا أشعر أنني أترك خلفي شيئًا من نفسي القديمة. تركت عندها همومًا حملتها طويلًا، وذنوبًا أتمنى أن يغسلها الله، وأمنيات لم أجرؤ يومًا أن أقولها لأحد.
رفعت يدي، ولم أجد كلامًا يليق باللحظة.
فقلت من أعماق قلبي:
يا رب، لقد دعوتك طويلًا أن تبلغني هذا المكان، فلك الحمد حتى ترضى، ولك الحمد قبل الرضى، ولك الحمد بعد الرضى.
يا رب، كما أكرمتني برؤية بيتك، فأكرمني بقربك.
وكما بلغتني الكعبة بعد شوق طويل، فبلّغني رضاك في الدنيا والآخرة.
وكما غمرتني رحمتك حتى وصلت، فلا تحرمني رحمتك حين أعود.
ظللت أنظر إليها، والدموع تذرف، وهو كل ما من تسأله عن ماذا حدث له عند رؤيته للكعبة، وقلبي يردد شيئًا واحدًا:
ما أعظمك يا رب! وما أكرمك! وما أجمل أن يشتاق القلب إلى بيته الحرام -كعبته المشرفة وقبلة المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها- ثم يكتشف حين يراه أن أعظم ما كان يشتاق إليه لم يكن الحجر ولا المكان، وإنما كان ذلك الشعور العميق بأن الله دعاه، فلبّى، وقرّبه، وأوقفه حيث طالما تمنى أن يقف.
ومنذ تلك اللحظة، لم تعد الكعبة بالنسبة إليّ مكانًا رأيته مرة، بل أريد أن أراه كل لحظة.
لقد أصبحت شيئًا يسكن القلب، كلما اشتقت إليها، أغمضت عيني، فتذكرت أول نظرة… وتذكرت كيف بكى قلبي قبل عيني.
- يا رب أرجو الأجر والقبول والثواب، والعودة مرات ومرات، وأعواما وأعواما، والتيسير لكل مشتاق…فأنت أكرم الأكرمين، وأنت رب العالمين، وأنت على كل شيء قدير.









