زمن الرواية وأسئلة الشعر:
قراءة في تحولات المشهد الأدبي المعاصر
ارتبطت مقولة “زمن الرواية” في النقد العربي المعاصر باسم الناقد الراحل الدكتور جابر عصفور، الذي رأى أن الرواية غدت الفن الأقدر على التعبير عن روح العصر وتحولاته، وعن تعقيدات الحياة الحديثة؛ لأنها تستوعب التحولات الاجتماعية والسياسية والثقافية بصورة أوسع مما تتيحه الأجناس الأدبية الأخرى. وقد ربط ظهور “زمن الرواية” بظهور قيم الحداثة؛ مثل الحرية والفردية والعقلانية والديمقراطية، معتبرًا أن الرواية هي الجنس الأدبي الأكثر قدرة على تمثيل هذه القيم وتجسيد تناقضات المجتمع الحديث، فيقول: “وأتصور أن زمن الرواية العربية، بهذا المعنى، هو الذي يجعلنا نصفها بأنها ملحمة العرب المحدثين في بحثهم عن المعنى والقيمة في عالم يهتز فيه المعنى وتضطرب القيمة، وفي سعيهم إلى تأكيد حضور الشكل الإبداعي الذي يواجهون به اهتزاز المعنى واضطراب القيمة”. غير أن هذه المقولة الشائعة ظلت موضع نقاش بين من يعدّها توصيفًا دقيقًا لواقع الثقافة الحديثة، ومن يرى أنها لا تعني تراجع الشعر بقدر ما تعكس تحولًا في أنماط التلقي والاهتمام الأدبي.
ولقد تنبه نجيب محفوظ إلى ذلك -وتبعه عصفور- في مقال نشره في مجلة “الرسالة” عام 1945؛ إذ يقول: “لقد ساد الشعر في عصور الفطرة والأساطير، أما هذا العصر عصر العلم والصناعة والحقائق، فيحتاج حتما لفن جديد يوفق على قدر الطاقة بين شغف الإنسان الحديث بالحقائق وحنانه القديم إلى الخيال وقد وجد العصر يعينه في القصة، فإذا تأخر الشعر عنها في مجال الانتشار، فليس لأنه أرقى من حيث الزمن، ولكن لأنه تنقصه بعض العناصر التي تجعله مواتها العصر، فالقصة على هذا الرأي في شعر الدنيا الحديثة”.
ولذا، فلا غرو أن نقول إن مقولة “زمن الرواية” من أكثر الأحكام النقدية تداولًا في العقود الأخيرة، حتى أصبح أشبه بمسلّمة ثقافية يتكرر ذكرها في الندوات الأدبية والدراسات النقدية؛ سواء بالتأييد أو المعارضة. ويقصد بهذا الحكم -إن صح التعبير- أن الرواية أصبحت الجنس الأدبي الأكثر حضورًا وانتشارًا وتأثيرًا مقارنة بالأجناس الأدبية الأخرى، وفي مقدمتها الشعر الذي ظلّ لقرون طويلة يُعرف بأنه “ديوان العرب”، وقد كان حقًّا الفن الأدبي المتفرد، بل كان أبرز وسيلة للتعبير عن الوجدان الفردي والجماعي، غير أن هذا التحول لا يعني بالضرورة نهاية الشعر أو تراجعه النهائي أو موته للأبد، وقد توسع محمود درويش، ورفض المفاضلة بين النثر والشعر -بوجه عام- باعتبار أن لكل منهما جماليته، فيقول: “أليس النثر هو حقل الشعر المفتوح؟ أليس الشعر هو نثر الورد على الليل ليضيء الليل؟”، وكذلك أذواق القراء ووسائل التواصل الحديثة، وأيضا براعة الكتاب وكثرتهم، وكذلك يمكنني أن أقول -على استحياء- “الجوائز” المقدمة في هذا الشأن، وتحويل عدد كبير من الروايات إلى السينما والتليفزيون، وهناك من استطاع الإبداع في الشعر والرواية في آن واحد؛ فصار الشاعر الروائي أو الروائي الشاعر بلا فارق. وقد توقفت متأملا ما كتب غلاف الكتاب الصادر عن الهيئة المصرية العامة للكتاب 2016، بعنوان رئيسي “صياد الغزلان”؛ تحته “أوديسا العشق”، “رواية بسحر الشعر” للدكتور على محمد عبد المنعم، وهو ما يؤكد ما ذهبنا إليه.
ولعل من أبرز الأسباب التي جعلت الرواية تتصدر المشهد الثقافي، من الناحية الفنية والموضوعية، قدرتها الكبيرة على استيعاب تعقيدات الحياة المعاصرة؛ فالعالم الحديث يتسم بالتشابك الاجتماعي والسياسي والاقتصادي، والرواية تمتلك مساحة واسعة تسمح بتقديم الشخصيات والأحداث والأفكار في سياقات متعددة ومتشعبة، والتي ترتبط بذائقة القارئ وخياله، بينما يعتمد الشعر -غالبًا- على التكثيف والاختزال والإيحاء، فإن الرواية تتيح سرد التفاصيل وبناء العوالم الإنسانية بصورة أكثر شمولًا؛ ولذلك وجد القارئ المعاصر في الرواية وسيلة لفهم الواقع وتحليل قضاياه الكبرى التي تشغل ذهنه وتؤرقه؛ مثل الهوية والهجرة والصراعات السياسية والتحولات الاجتماعية والمشكلات الحيوية الجديدة.
كما أسهمت وسائل الإعلام ودور النشر والجوائز الأدبية في تعزيز مكانة الرواية؛ فقد شهد العالم العربي والعالم كله انتشار جوائز متخصصة في الرواية، وهو ما زاد من الاهتمام بها نقديًّا وإعلاميًّا، وأصبحت الروايات الأكثر مبيعًا تتحول إلى أعمال سينمائية أو درامية؛ مما يوسع دائرة انتشارها، ويمنحها حضورًا جماهيريًّا أكبر. في المقابل، ظل الشعر أقل قدرة على الوصول إلى الجمهور العريض بسبب طبيعته الفنية الخاصة التي تتطلب قدرًا من التذوق اللغوي والثقافي. وحين سُئل الشاعر محمود درويش: “هل فكرت يومًا في أن تكتب رواية مثل كثير من الشعراء الذين كتبوا الرواية على هامش شعرهم؟”، أجاب: “مع حبي غير المحدود للرواية لم أفكر يومًا في كتابتها، لكنني أغبط الروائيين؛ لأن عالمهم أوسع. والرواية تستطيع أن تستوعب كل أشكال المعرفة والثقافة والمشاكل والهموم والتجارب الحياتية. وتستطيع أن تمتص الشعر وسائر الأجناس الأدبية وتستفيد منها إلى أقصى الحدود”.
ومن الجوانب المهمة في تفسير سيادة الرواية ارتباطها بطبيعة العصر نفسه؛ فنحن نعيش في زمن السرد؛ إذ أصبحت حياة الإنسان المعاصر قائمة على الحكايات والقصص التي تقدمها وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي والأفلام والمسلسلات. والرواية بوصفها فنًا سرديًّا تتناغم مع هذا الميل الإنساني المتزايد نحو الحكي؛ ولذلك استطاعت أن تستجيب لحاجات القارئ النفسية والمعرفية بصورة أكثر توافقًا مع روح العصر.
لكن الحديث عن “زمن الرواية” لا ينبغي أن يُفهم على أنه إعلان لوفاة الشعر؛ فالشعر ما زال يحتفظ بمكانته بوصفه الفن الأكثر قدرة على التعبير المكثف عن المشاعر والأحاسيس والتجارب الإنسانية العميقة، كما أن الشعر يمتلك خصوصية لغوية وإيقاعية لا تستطيع الرواية أن تحل محلها؛ فالقصيدة الجيدة قادرة في أسطر قليلة على إنتاج دلالات وتأثيرات جمالية قد تحتاج الرواية إلى صفحات طويلة لتحقيقها، فطبيعة البناء الروائي تختلف عن البناء الشعري للقصيدة.
ومع ذلك، لا يمكن إنكار أن هيمنة الرواية تركت آثارًا واضحة على الشعر، ومن هذه الآثار تراجع جمهور الشعر مقارنة بجمهور الرواية، وانخفاض حضور الدواوين الشعرية في الأسواق الثقافية، كما أن كثيرًا من الشعراء اتجهوا إلى كتابة الرواية بحثًا عن انتشار أوسع أو تفاعل أكبر مع القراء، وأصبح من المألوف أن نرى شعراء معروفين ينتقلون إلى عالم السرد الروائي ويحققون فيه نجاحًا لافتًا.
ومن آثار زمن الرواية على الشعر أيضًا ظهور ما يمكن تسميته بـ”تسريد الشعر”، أي تأثر القصيدة بالتقنيات السردية؛ فقد أصبحت بعض القصائد الحديثة تعتمد على الحكاية والشخصيات والحوار وتتابع الأحداث بدرجات مختلفة، وهذا يدل على أن العلاقة بين الرواية والشعر لم تعد علاقة تنافس فقط، بل أصبحت علاقة تأثير متبادل وتداخل فني وامتزاج في عناصر البناء. وفي المقابل، استفادت الرواية من الشعر عبر توظيف اللغة الشعرية والصور البلاغية والإيقاعات الداخلية في كثير من النصوص الروائية الحديثة.
ومن الناحية الاجتماعية، يعكس صعود الرواية تغيرًا في طبيعة المتلقي؛ فالقارئ المعاصر يميل إلى النصوص التي تقدم له قصة وشخصيات وأحداثًا يستطيع متابعتها والتفاعل معها؛ بينما يحتاج الشعر -غالبًا- إلى قراءة متأنية وتأملية؛ لذلك أصبحت الرواية أكثر قدرة على جذب فئات واسعة من القراء، خاصة الشباب الذين يجدون فيها مساحة للمتعة والمعرفة في الوقت نفسه.
كما أن التطورات التقنية أسهمت في هذا التحول؛ فقد أتاحت المنصات الرقمية نشر الروايات وتسويقها بسهولة، وظهرت تطبيقات ومواقع متخصصة في قراءة الأعمال السردية، ورغم أن الشعر استفاد هو الآخر من هذه الوسائل، فإن طبيعة الرواية الطويلة وما تتضمنه من حبكات وشخصيات جعلتها أكثر قابلية للتداول والنقاش عبر الفضاء الرقمي.
غير أن بعض النقاد يرفضون فكرة أن الأدب يمر بعصور تخص جنسًا أدبيًّا واحدًا؛ فهم يرون أن وصف المرحلة بأنها “زمن الرواية” قد يكون مبالغة إعلامية أكثر منه حقيقة أدبية مطلقة؛ إذ إن الأجناس الأدبية لا تلغي بعضها بعضًا، بل تتعايش وتتطور وفق حاجات المجتمع. والشعر، رغم تراجع حضوره النسبي، ما زال حاضرًا في الأغنية والمسرح والاحتفالات الثقافية ووسائل التواصل الاجتماعي والمناسبات الوطنية، بل إن بعض أشكال الشعر الجديدة استطاعت الوصول إلى جمهور واسع بطرق مختلفة عن الطرق التقليدية.
وأخيرا وليس بآخر، يمكننا القول إن الرواية أصبحت بالفعل الجنس الأدبي الأكثر انتشارًا وتأثيرًا في العصر الحديث لأسباب تتعلق بطبيعة المجتمع المعاصر وثقافة السرد ووسائل النشر والإعلام، وقد انعكس ذلك على الشعر من خلال تراجع جماهيريته النسبية وتأثره ببعض التقنيات السردية، إلا أن هذا لا يعني أفول الشعر أو انتهاء دوره؛ لأن لكل فن مجاله ووظيفته الجمالية الخاصة؛ فالرواية تمنح القارئ عالمًا متكاملًا من الأحداث والشخصيات؛ إذ إنها تهتم بالتفاصيل، بينما يمنحه الشعر لحظة مكثفة من الجمال والإحساس والعاطفة والرؤية والاختصار والإيجاز لارتباطه بالوزن والقافية أو التفعيلة بوجه عام. ولذا، فإن العلاقة بينهما ليست علاقة إقصاء أو صراع بقدر ما هي علاقة تكامل وتفاعل مستمر، فمنبعهما واحد، هو الأدب، وأداتهما واحدة، وهي اللغة، تؤكد أن الأدب في جوهره فضاء واسع يتسع لجميع أشكال الإبداع الإنساني، وقد ينمو ويزدهر لون من ألوانه في ظل ظروف معينة ومتطلبات اجتماعية ونفسية وحياتية، لكن يظل “زمن الرواية”، أو “زمن الشعر”، أو “زمن القصة” ينبع من المصدر الرئيس، وهو الأدب.










