الرمز والدلالة في الخطاب الروائي عند بهاء طاهر
رواية “خالتي صفية والدير” نموذجا
تُعدُّ رواية “خالتي صفية والدير” للكاتب الكبير بهاء طاهر، واحدة من أبرز الروايات العربية المعاصرة التي نجحت في الجمع بين البساطة السردية والعمق الفكري والإنساني؛ فقد صدرت الرواية في تسعينيات القرن العشرين (1991- دار الهلال)، واستطاعت أن تحجز لنفسها مكانة متميزة في الأدب العربي لما تطرحه من قضايا تتجاوز حدود الحكاية الفردية إلى آفاق اجتماعية ودينية وسياسية أوسع، وهي رواية قصيرة نسبيًّا من حيث الحجم (142 صفحة، منها مقدمة الكاتب 27 صفحة)، لكنها كثيفة من حيث الدلالة والرمزية، تعتمد على لغة شفافة وسرد هادئ يخفي خلفه توترًا دراميًّا كبيرًا وعميقًا.
تقوم الرواية على ثنائية أساسية تجمع بين الحب والانتقام، وبين التسامح والعنف، وبين المقدّس والدنيوي. تبدأ الحكاية في إحدى قرى صعيد مصر؛ حيث يعيش الراوي الذي يسترجع ذكريات طفولته وشبابه، ويروي لنا قصة “صفية”، الفتاة القروية الجميلة التي تقيم مع بعض أقاربها كواحدة من أهل البيت، والتي شغفت بـ “حربي” ابن عمها، الشاب الوسيم القوي الشجاع، لكنه لا يدرك مدى حب “صفية” له، ويخطط لزواجها من البك القنصل الغني، صاحب المقام العالي في القرية. وهنا توافق “صفية” على الزواج من البك رغم فارق السن الكبير، ولكنها لا تغفر لـ “حربي” تجاهله لحبها، وتتوالى أحداث الرواية وتنجب “صفية” الطفل “حسان”، وتحقق حلم البك القنصل الذي طال انتظاره، ومع مرور الوقت تحدث محاولة اعتداء على “حسان”، وهنا تأتي فرصة “صفية” من الانتقام من “حربي” وتقنع البك أن “حربي” هو الفاعل وتتطور الأحداث، وتتحول “صفية” من امرأة عاشقة إلى امرأة تسكنها رغبة الانتقام.
يبرع بهاء طاهر في رسم شخصية “صفية” بوصفها شخصية مركبة؛ فهي ليست شريرة بالمطلق، ولا ضحية بالمطلق، بل شخصية إنسانية تتنازعها المشاعر المتضادة. ففي بداية الرواية تظهر رمزًا للأنوثة والجمال والحب، ثم تتحول تدريجيًّا إلى رمز للقسوة والتسلط حين تستبد بها فكرة الثأر. وهذا التحول النفسي العميق يعكس قدرة الكاتب على الغوص في النفس البشرية، وكشف كيف يمكن للحب حين يُقهر أن يتحول إلى كراهية مدمرة. فـ “صفية” هنا ليست مجرد فرد عادي، بل تمثل نموذجًا اجتماعيًّا لإنسان يُفسده القهر والتقاليد والحرمان.
أما شخصية “حربي”، فهي تمثل الطرف المقابل في الرواية؛ إذ يبدو إنسانًا بسيطًا، شجاعًا، محبوبًا من الجميع، لكنه يجد نفسه مطاردًا بتهمة لم يرتكبها. ومع تصاعد الأحداث، يهرب “حربي” إلى الدير المسيحي المجاور للقرية، فيجد فيه ملاذًا وحماية من بطش “صفية” ورجالها. وهنا تبرز واحدة من أهم القضايا التي تناقشها الرواية، وهي قضية الوحدة الوطنية والتسامح الديني؛ إذ يتحول الدير إلى رمز للرحمة والإنسانية، ويقف الرهبان موقفًا أخلاقيًّا نبيلًا لحماية رجل مسلم من ظلم امرأة مسلمة، في مشهد يكرّس قيم التعايش بين المسلمين والمسيحيين في المجتمع المصري، الذي تتحقق فيه الوحدة الوطنية بجدارة ومحبة. وهذا ما أكد عليه الكاتب في نهاية مقدمته- قبل الولوج إلى عالم الرواية؛ إذ يقول: “والآن قلم تبق عندي إلا كلمة قصيرة جدًّا عن هذه الرواية الأخيرة، خالتي صفية والدير …. لقد حرصت في أولها على أن أقول إن كل أحداثها من نسج الخيال. ليس بالضبط … فجنين الخيال أيضا هو الواقع، ومن ذلك أن أبي- رحمه الله، كان شيخا أزهريا تقيا. وقد ربانا لنكون مسلمين صالحين، وأدعو الله أن نكون كذلك. وكان هو نفسه يتعامل مع الناس جميعا بخلق الإسلام الصحيح. وأشهد الله أنني لم أسمع منه يوما في حياته كلمة تفرق بين الناس بمقولة هذا مسلم وهذا مسيحي”.
إن عنوان الرواية نفسه يحمل دلالات رمزية عميقة؛ فـ “صفية” توحي بالقرب والألفة والحميمية، بينما “الدير” يوحي بالقداسة والعزلة والسلام. والجمع بينهما في عنوان واحد يكشف عن التوتر بين عالمين: عالم البشر المليء بالصراعات والأحقاد، وعالم الروح القائم على الصفح والمحبة. وقد نجح بهاء طاهر في توظيف هذا التضاد ليجعل من الرواية نصًّا مفتوحًا على التأويل؛ حيث يصبح الدير ليس مكانا فحسب، بل رمزًا للخلاص الروحي في مواجهة عنف الواقع.
ومن الناحية الفنية، تعتمد الرواية على أسلوب السرد بضمير المتكلم، حيث يقوم الراوي بدور الشاهد على الأحداث، وهو ما يضفي على النص طابعًا من الصدق والحميمية، كما أن اللغة جاءت بسيطة وعذبة، بعيدة عن التعقيد، لكنها محملة بالإيحاءات والدلالات. ويتميز الحوار في الرواية بطبيعته الواقعية؛ إذ يعكس البيئة الصعيدية بوضوح، ويمنح الشخصيات مصداقية فنية، كذلك يبرز عنصر الوصف، خاصة في تصوير القرية والدير والطبيعة المحيطة؛ مما يجعل المكان عنصرًا حيًّا ومؤثرًا في بناء الحدث.
وتحمل الرواية بُعدًا رمزيًّا وسياسيًّا أيضًا؛ فالصراع بين “صفية” و”حربي” يمكن أن يُقرأ بوصفه رمزًا لصراع أوسع بين السلطة والفرد، أو بين الظلم والبراءة، كما أن لجوء “حربي” إلى الدير قد يرمز إلى بحث الإنسان عن العدالة في عالم تغيب فيه القوانين العادلة. ومن خلال هذه الرمزية، ترتفع الرواية من مستوى الحكاية المحلية إلى مستوى إنساني شامل.
وفي النهاية، تنتهي الرواية نهاية مأساوية تحمل قدرًا كبيرًا من التأمل؛ إذ يستمر الصراع طويلًا، وتذبل “صفية” تحت وطأة الانتقام الذي التهم حياتها، بينما يبقى “حربي” سجين الخوف والمنفى داخل الدير. وكأن الكاتب يريد أن يقول إن الانتقام لا يقتل الخصم فقط، بل يقتل صاحبه أيضًا، وإن الكراهية تحرق قلب من يحملها قبل أن تصيب من يوجهها إليه. ففي الخاتمة يقول: “مرت جنازة حربي أمام السراي الذي لم يفتح مرة واحدة منذ هجرته خالتي صفية. حانت منى التفاتة نحو بوابته التي علاها الصدأ.. ورأيت النخل الإفرنجي وقد جف سعفه وتهدل في لون بني كالح فارتجفت، وأنا أكرر الهتاف مع الموكب الحزين “لا إله إلا الله.. لا إله إلا الله.
ولم تبق خالتي صفية طويلا بعد رحيل حربي.
قيل إن النبأ نقل إليها، وكانت تقف في فناء الدار وإلى جوارها حسان؛ فالتقطته من الأرض، وهي تصرخ صرخة هائلة ثم رمته بعزم قوتها نحو الحائط ولولا أن تلقفته واحدة من الخدم لتهشم رأسه.
قيل إنها جلست بعد ذلك على الأرض، وقالت في همس: “مات ميتة ربنا؟.. مات ميتة ربنا؟.. أترى يا بك؟ لماذا فعلت بي هذا؟ ثم صرخت مرة أخيرة: لماذا فعلتم بي هذا كلكم عليكم لعنة الله!
ثم قيل إنها قامت بعد ذلك، ودخلت إلى غرفتها، ولم تنطق بشيء بعدها، ولم تذق طعاما أو شرابا”.
فأما عن رأي النقاد في الرواية؛ فيقول الدكتور علي الراعي: “رسالة حب عظيم للحياة والناس… (رواية) بارعة الحسن في بساطتها وعفويتها سحرها الذي لا يقاوم، سواء تحدث الكاتب عن الصغار أم الكبار عن النساء أم الرجال، عن العقلاء أم المجانين…”. أما الدكتور شكري غالي، فيرى أن “العالم في هذه الرواية مجموعة من العوالم التي تعيد صياغة بعضها البعض، وتستخلص الأسئلة المثيرة من قلب الأجوبة… والرواية بأكملها سؤال أبدعته كتابة حديثة فاتنة الجمال”. أما إبراهيم عیسی فيقول إن “شخوص بهاء طاهر كلها في وفيك وفينا… ورواية “خالتي صفية والدير” قطعة لؤلؤ جديدة في مجوهرات الأدب العربي”. ويذهب د. جلال أمين إلى ما هو أبعد من ذلك كله فيقول “كأنني اكتشفت كنزا. (رواية) تمس شغاف القلب برقتها ونبل أبطالها وتعاطفها البالغ مع الإنسان بوصفه إنسانا … تمسك بانتباه القارئ من أول لحظة وحتى نهايتها، وتتركه وهو أكثر حكمة”. ويقول الكاتب رجاء النقاش “هذه الرواية حديقة مليئة بالزهور الطبيعية الحية… (قرأتها) مرتين، وفي كل مرة كنت أجد فيها معاني أخرى جديدة… وما من فن حقيقي إلا ويعطيك معاني متجددة كلما تأملت فيه”.
وخلاصة القول، فإن رواية “خالتي صفية والدير” ليست مجرد رواية تحكي قصة ثأر في قرية مصرية، بل هي عمل أدبي عميق يناقش قضايا الحب والظلم والتسامح والدين والسلطة والإنسان. وقد استطاع الكاتب المبدع بهاء طاهر من خلال هذا العمل أن يقدم نصًّا أدبيًّا مكثفًا يجمع بين جمال الفن وعمق الفكر، مما يجعل الرواية علامة بارزة في مسيرة الرواية العربية الحديثة، ونصًا يستحق القراءة والدراسة والنقد.
وقد توقفت كثيرا أمام كلمات الشاعر عبد الرحمن الأبنودي الذي عبر عن الرواية بكلمات غاية في الإبداع، تجسد ما جاء في أحداث الرواية قائلا:
“كل مانفترق.. تجمعنا الطرق
في العين أحفان دموع.. والقلب بيتحرق
يا شمس ليه تغيبي دايما قبل الميعاد.. الضلمة اللي في قلبي قطعت حبل الوداد
وكل ماتسرق من همي ونفترق.. في بحر الحزن ألقى حلمي القديم غرق
يا عيونها الطيبين اللي كانت رحيمة.. بقيتوا ليه قاسين ونظرتكم لئيمة
متسلطين عليا تسقوني خوف وشك.. ياللي حاكمين عليا تضيعني السكك
وكل ماتسرق من همي ونفترق.. في بحر الحزن ألقى حلمي القديم غرق”












