بقلم: آيات مصطفى أبوالحسن
يأتي احتفالنا بالذكرى الثالثة والخمسين لإنتصارات حرب أكتوبر المجيدة عام 1973 كحدث تاريخي هام ومهم في مسيرة الوطن، ذكرى لم تكن مجرد هزيمة لعدو إسرائيلي معتدٍ خسيس، بل كانت استعادة كاملة لأرض ووطن بكل ثرواته ومقدراته الغالية.
ويُعد كتاب “مذكرات حرب أكتوبر” للفريق سعد الدين الشاذلي، الذي تولي رئاسة أركان حرب القوات المسلحة المصرية في مايو 1971، من أهم وأخطر الوثائق العسكرية التي تناولت الحرب، لأن كتبه الرجل الذي خطط ونفذ عملية العبور فعلياً.
ويؤكد الفريق الشاذلي في مذكراته أن الجيش المصري لم يستسلم بعد هزيمة 1967، بل استطاع أن يعيد بناء توازنه وقوته من جديد، من خلال وضع خطط استراتيجية كبرى، كان من أبرزها بناء حائط الصواريخ الذي حمى سماء مصر المكشوفة وقتها.
ويستعرض الشاذلي في كتابه كيف؟ وُضعت الخطط الهجومية والدفاعية بدقة، وكيف تمكن الجيش المصري من عبور قناة السويس وتدمير خط بارليف الحصين الذي ادعى العدو استحالة اختراقه.
ويشير إلى أن هذا النصر سبقته معارك طاحنة خلال حرب الاستنزاف، التي تمكنت خلالها القوات المسلحة، وخاصة القوات البحرية، من إلحاق خسائر فادحة بالعدو الإسرائيلي، وكان أبرزها إغراق المدمرة “إيلات”.
و من أهم تدريبات الجيش التي قادتنا الي انتصارات أكتوبر العظيم، بنى الفريق “الشاذلي” نسخة طبق الأصل من قناة السويس والساتر الترابي في منطقة الصحراء الغربية قرب وادي النطرون وسماها “ميدان التدريب” وأجرى عليه عبور كامل بالذخيرة الحية من 1972 حتى سبتمبر 1973، فالجنود عبروا القناة الحقيقية في التدريب حتى حفظوا كل حفرة فيها.
كما ،تم تدريب الجنود علي قاذف ساجر ( قاهر الدبابات) الذي يحتاج أن يحمله الجندي ويختفي في “حفرة”، وقال “أنتم ستقتلون دبابة ثمنها 300 ألف دولار بصاروخ ثمنه 2000 دولار”.
كانت دقة وتفاصيل المعلومات والمعركة شديدة السرية،حتي في الهتاف، حيث أمر الشاذلي بمنع كلمة تمام يا فندم، واستبدالها بـ “الله أكبر” في كل التدريبات، حتى يتعود الجندي على الصراخ بها في المعركة و يكسر حاجز الخوف ، أيضًا كان الضوء الأخضر لساعة الحرب سري للغاية، لدرجة وصلت المشاركة العسكرية للدول العربية بعد توجيه الضربة فعليًا في ميعادها دون ان يعلم احد بموعد الحرب و الساعة التي اخُتيرت و تحددت لها.
و قال الفريق الشاذلي في، مذكراته عن حرب الاستنزاف (68_70) انها المدرسة الحقيقية لنصر أكتوبر، بل ووصفها “بالعبور الصغير”، خلال الاستنزاف عبرت قوات الصاعقة المصرية القناة في عمليات خلف خطوط العدو، وأسرت جنوداً إسرائيليين ودمرت مواقع. هذه العمليات هي التي علمتنا كيف نفتح ثغرة بالمياه، وكيف نحمل قارب مطاطي تحت النيران.
تاريخ انتصارات أكتوبر ليس مجرد ذكرى، بل هو سجل حي بتفاصيله وأحداثه و هناك جيل عاشه وصنعه وعبر معه بدمه وعرقه، وهناك أجيال من الأبناء والأحفاد تحتاج اليوم أن تقرأه وتتعمق فيه، لتستشعر العبور بنفسها، وتُثمن مثل هذه التضحيات لتستلهم منها مفهوم البطولات والثأر للشهداء، وتتوارث معاني الوفاء والولاء والانتماء للأرض والوطن .










