كتبت/ آيات مصطفى أبوالحسن
يهِلُّ علينا شهر ربيع الأول، لا كأي شهر، بل تَهِلُّ معه أنوار الذكرى التي غيَّرت وجه التاريخ.. ذكرى ميلاد المصطفى سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، ذكرى ميلاد من أخرج الله به البشرية من ظلمات الجهل إلى نور الهداية، ومن قسوة القلوب إلى رحمة السماء.
والإحتفال بالمولد النبوي الشريف ليس احتفالاً بحدثٍ مضى، بل هو عودة إلى المعنى..عودة إلى القلب الذي وسع الأمة، وإلى اليد التي جبرت أوجاع القلوب المكسورة، والمهمومة، وإلى اللسان الذي نطق بالحق، وإلى العين التي بكت رحمةً على أمته.
وهو الشهر الذي تنفست فيه الدنيا عبير النبوة، وفيه خطت خُطى الهجرة دروب النور، وفيه التحق الحبيب بالرفيق الأعلى، فصار ذِكراه نبراسًا للسائرين، ودواءً للقلوب المكلومة.

وتقول الدكتورة/ فتحية الحنفي أستاذة الفقه المقارن بجامعة الأزهر الشريف: إن لشهر ربيع الأول مكانة عظيمة لإرتباطه بسيرة النبي صلى الله عليه وسلم، ففيه وُلد، وفيه هاجر، وفيه وفاته صلى الله عليه وسلم، والواجب علينا أن يغتنم المسلمون هذا الشهر المبارك للتأمل في سيرته العطرة، والاهتداء بهديه في تعاملاتنا مع الناس والمجتمع.
لأنه صلى الله عليه وسلم الرحمة المهداة، والنعمة المسداة للبشرية جمعاء، قال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ}.

فقد جاء صلى الله عليه وسلم ليخرج الناس من ظلمات الجهل والبغض إلى نور الهداية والإيمان.
فقد جمع صلى الله عليه وسلم بين الرحمة والإحسان في إتقان العمل، وفعل الخيرات، والعطف على الآخرين، وجبر الخواطر.
فعلمنا صلى الله عليه وسلم الرحمة بالأطفال، كيف نحنو عليهم، ونلاعبهم ونعطف عليهم، فقد رُوي عن أبي هريرة رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قَبَّل الحسن بن علي وعنده الأقرع بن حابس التميمي جالسًا، فقال الأقرع: إن لي عشرة من الولد ما قبَّلتُ منهم أحدًا، فنظر إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال: “مَنْ لَا يَرْحَمْ لَا يُرْحَمْ” رواه البخاري.

وتضيف دكتورة فتحية: كان عليه الصلاة والسلام رحيمًا بأمته، ويتخلى عن بعض المستحبات خشية أن تفرض عليهم.وأيضًا رحمته بالضعفاء والمساكين، وكان يوصي برعايتهم ورحمتهم وتطييب خاطرهم، قال صلى الله عليه وسلم: “هَلْ تُنْصَرُونَ وَتُرْزَقُونَ إِلَّا بِضُعَفَائِكُمْ” رواه البخاري.

ومن الرقائق الإيمانية ،في حب خير البرية ﷺ أن نتبع سنته، فنمتثل لأوامره ونجتنب ما نهانا عنه، ونقتدي بأخلاقه وأقواله وأفعاله في جميع أمورنا بإخلاص بعيداً عن الرياء.
وهذا له ثمرات عظيمة في الدنيا والآخرة، فمنها الشعور بالسعادة والأمن والطمأنينة وهي حلاوة الإيمان، ومنها نيل شرف مرافقة النبي ﷺ في الجنة، كما بشر بذلك في قوله ﷺ: “أَنَا وَكَافِلُ اليَتِيمِ فِي الجَنَّةِ هَكَذَا”وأشار بالسبابة والوسطى. رواه البخاري.

ومن رحمته بالحيوان قال صلى الله عليه وسلم: “اتَّقُوا اللهَ فِي هَذِهِ البَهَائِمِ المُعْجَمَةِ” أي الحيوانات التي لا تملك القدرة على الكلام أو الشكوى “فَارْكَبُوهَا صَالِحَةً، وَكُلُوهَا صَالِحَةً” أي يجب على الإنسان أن يعاملها معاملة حسنة فلا يُكَلِّفها ما لا تستطيع، ولا يُقَصِّر في حقِّها في أَكْلٍ أو شُرْبٍ. رواه أبو داود.
كما أمرنا صلى الله عليه وسلم بإتقان العمل وحسن الأداء، فقال: “فَإِذَا قَتَلْتُمْ فَأَحْسِنُوا القِتْلَةَ، وَإِذَا ذَبَحْتُمْ فَأَحْسِنُوا الذِّبْحَةَ، وَلْيُحِدَّ أَحَدُكُمْ شَفْرَتَهُ، وَلْيُرِحْ ذَبِيحَتَهُ”.

و تؤكد د.الحنفي ، هذا قليل من كثير مما يصعب حصره، ولكنها رقائق إيمانية في حب رسول الله صلى الله عليه وسلم، لأن حبه أصل عظيم من أصول الإيمان، ولا يتم إسلام العبد ولا يكمل إيمانه حتى يكون النبي أحب إليه من نفسه وولده ووالده والناس أجمعين.
وتختم قائلة:وأجمل ما قيل في حب رسول الله هو ما عبر به الصحابة رضوان الله عليهم حين سُئل علي بن أبي طالب عنه: كيف كان حبكم لرسول الله؟ فقال: كان والله أحب إلينا من أموالنا وأولادنا وآبائنا وأمهاتنا.
إن ذكرى الإحتفال المولد النبوي الشريف، دعوة للتجديد الروحي، لتطهير القلوب، ولإحياء الحب الحقيقي الذي قال عنه الصحابة: “كَانَ أَحَبَّ إِلَيْنَا مِنَ المَاءِ البَارِدِ عَلَى الظَّمَأِ”.










