كتبت/ سحر عبد الفتاح
شهدت الهند، بلد التنوع والصمود والنهوض، تقدمًا ملحوظًا في مختلف المجالات. فمن دولة خرجت من الحقبة الاستعمارية إلى دولة ترسم مسارًا جديدًا، لا تقتصر قصة نمو الهند على القوة الاقتصادية والتكنولوجية فحسب، بل تتمحور في جوهرها حول تطلعات وآمال وأحلام 1.4 مليار هندي. وهي قصة تسعى كل دولة نامية إلى ترسيخها. وتمضي الهند قدمًا في جميع المجالات، من الفضاء إلى العلوم والتكنولوجيا، ومن البنية التحتية الرقمية العامة إلى الدفاع، بما يعيد صياغة مفهوم ما يمكن لدولة نامية أن تحققه.
لقد كانت رحلة الهند الاقتصادية استثنائية بكل المقاييس، إذ ارتقت بسرعة في التصنيف الاقتصادي العالمي لتصبح رابع أكبر اقتصاد في العالم. إلا أن هذا الصعود يتجاوز مجرد رقم في جدول التصنيفات؛ فهو قصة طبقة وسطى آخذة في التوسع، وشعب شاب يتطلع إلى المستقبل، وملايين من رواد الأعمال والمبتكرين الذين يحولون الطموح إلى فرص، والفرص إلى نمو. واليوم، يوجد في الهند نحو 250 ألف شركة ناشئة تُحدث تحولًا في مختلف الصناعات، كما أصبحت رابع أكبر اقتصاد صناعي في العالم. وينعكس هذا النمو أيضًا في التجارة، حيث تجاوز إجمالي حجم التجارة 1.5 تريليون دولار أمريكي العام الماضي. وهذه الأرقام ليست مجرد أرقام، بل تجسد جيلًا مستعدًا للحلم والابتكار والبناء.
ولا يمكن لأي هندي أن ينسى مشهد انطلاق صاروخ «فيكرام-1» نحو السماء، إيذانًا بأول عملية إطلاق خاصة ناجحة في الهند. فالفضاء ليس سقفًا لطموحات الهند. وقد تابع الشعب الهندي بفخر هبوط «تشاندرايان-3» على القطب الجنوبي للقمر، لتصبح الهند أول دولة تحقق هذا الإنجاز التاريخي. ومن التطلع إلى النجوم إلى الوصول إليها، تمثل رحلة الهند في مجال استكشاف الفضاء شهادة على قدرتها على تحويل الأحلام إلى واقع.
عانت الهند بعد الاستقلال من نقص حاد في البنية التحتية. أما اليوم، فقد أصبحت السكك الحديدية الهندية ثاني أكبر ناقل للبضائع على مستوى العالم، حيث تنقل 1.6 مليار طن متري سنويًا. كما طورت الهند محليًا قطار «فاندي بهارات» فائق السرعة لنقل الركاب، بينما تضاعف عدد المطارات ليصل إلى 147 مطارًا خلال عقد واحد. وشهدت الطرق السريعة الوطنية توسعًا ملحوظًا، لتصل إلى نحو 150 ألف كيلومتر، كما تضاعفت الطاقة الاستيعابية للموانئ الرئيسية، مما غيّر مسار البنية التحتية البحرية في الهند. ولا يقتصر هذا التحول على الأرقام والإحصاءات، بل يتجلى في الحياة اليومية لملايين الهنود. فمن سرعة الاتصال وسهولة التنقل إلى وسائل النقل الحديثة، ومن الموانئ إلى الطرق السريعة، تعمل الهند على بناء الأسس اللازمة لهند جديدة ومتقدمة.
«التكنولوجيا للجميع» هي جوهر الثورة التكنولوجية في الهند. فقد أصبحت البنية التحتية الرقمية العامة أداةً قوية لتعزيز الشمول، وتيسير الوصول إلى الخدمات، وتمكين المواطنين. ولا تكتفي الهند بتبنّي التكنولوجيا، بل تعمل على رسم ملامح مستقبلها وإيصال ثمارها إلى كل مواطن، انطلاقًا من مبدأ إتاحتها للجميع. وتجسّد أدوات الذكاء الاصطناعي، مثل «باشيني» (Bhashini)، وهي منصة مدعومة بالذكاء الاصطناعي لترجمة اللغات وتعزيز الشمول الرقمي للمواطنين، نهجًا تكنولوجيًا يضع المواطن في صميم عملية التطوير.
كما حققت الهند إنجازات بارزة في مجال تكنولوجيا الكم، من بينها نجاحها، خلال أقل من عامين على إطلاق المشروع، في إثبات إمكانية تشغيل شبكة اتصالات كمّية بطول 1,000 كيلومتر، تُعد واحدة من أطول شبكات الاتصالات الكمّية في العالم. ويواصل العلماء الهنود تحقيق إنجازات قياسية في مجال التكنولوجيا النووية، من خلال مفاعل التوليد السريع التجريبي المطوَّر محليًا في كالاكام، إلى جانب أول منشأة في العالم لإنتاج الهيدروجين باستخدام الحرارة النووية. وهكذا، تتحول التكنولوجيا في الهند بصورة متزايدة إلى أداة للتغيير والتحول.
تمثل رحلة الهند في مجال الدفاع، من دولة كانت تعتمد على استيراد المعدات الدفاعية إلى دولة أصبحت مُصدِّرة لها، تحولًا لافتًا. ويُعد صاروخ «براهموس» الجوال من أفضل الصواريخ في فئته على مستوى العالم. ومن الاختبار الناجح لـ«التوماهوك الهندي»، أي صاروخ كروز للهجوم البري بعيد المدى (LRLACM)، إلى منظومة «كوشا» للصواريخ أرض-جو بعيدة المدى، تُظهر الصناعة الدفاعية الهندية قدرةً متنامية على الجمع بين الابتكار والدقة. ومن حاملات الطائرات والغواصات إلى الطائرات المقاتلة من الجيل الخامس والمروحيات الهجومية، لا تعمل الهند على تعزيز أمنها فحسب، بل تبرز أيضًا كشريك دفاعي مسؤول على الساحة العالمية.
ولا تكتفي الهند بالدعوة إلى الاستدامة، بل تطبقها عمليًا من خلال مبادرة LiFE (نمط حياة من أجل الحفاظ على البيئة). ومن الصعب تجاهل قصة الطاقة المتجددة، في ظل التطور السريع للبنية التحتية للطاقة المتجددة، التي تحتل الهند المرتبة الثالثة عالميًا من حيث القدرة الإنتاجية. ومن ثم، فإن قصة التنمية في الهند لا تتعلق بالنمو فحسب، بل بالنمو المسؤول أيضًا، حيث يمضي الإنسان والكوكب والازدهار جنبًا إلى جنب. إن حلم الهند بـ«بهارات المتقدمة» (Viksit Bharat)، أي تحقيق هند متقدمة بحلول عام 2047، ليس حلمًا بعيد المنال، بل هدفًا يمكن تحقيقه من خلال العمل. إنه حلم تدفعه تطلعات شعبها، وابتكارات شبابها، وعزيمة مواطنيها. ولا يعكس حلم الهند تطلعات شعبها فحسب، بل يعكس أيضًا تطلعات الجنوب العالمي بأسره.
ومن مجالات الأمن الغذائي إلى آفاق الفضاء، ومن أصغر معاملة رقمية إلى أضخم مشروع للبنية التحتية، ومن قوة القدرات الدفاعية إلى سحر الثقافة، تكتب الهند قصة تحول ونهوض. إنها قصة أمة قطعت شوطًا طويلًا، لكنها عازمة على المضي قدمًا نحو آفاق أبعد. إنها قصة التنوع والصمود والنهوض. ولا عجب أن الهند أرض العجائب…












