قصة قصيرة
“مؤامرة خلف الستار”
كان الأستاذ “كمال” رجلا محبوبا من القاصي والداني، وكأنه وضع له القبول في الأرض؛ فنال الرضا والمحبة والاحترام. كان مديرًا في مؤسسة كبيرة وعريقة، اسمه معروف، وكلمته مسموعة، وقراراته تنفذ بمجرد الإشارة.
كان مكتبه في الدور الثالث، وعلى بابه لوحة تحمل صفته الوظيفية. سنوات طويلة قضاها في المكان، صنع خلالها نجاحات وإنجازات، وحل أزمات، ووقف بجوار كثيرين وكثيرات، ودائما ما كان يردد على مسامع الآخرين: جبر الخواطر يدفع المخاطر.
ويبدو أنه كان على يقين من أن دوام الحال من المحال، وأنه سيناله شيء من التقلبات والتغيرات؛ فبعض الناس لا يزعجهم فشلك بقدر ما يزعجهم نجاحك.
بدأت الحكاية بوشايات صغيرة، ثم شكاوى مجهولة، ثم لجان تحقيق، ثم استدعاءات متكررة، وأسئلة لا تبحث عن الحقيقة بقدر ما تبحث عن إدانة وهدم كل ما كان.
(1)
وفي يوم عادي من غير مقدمات، دخل عليه موظف صغير السن، قليل الخبرة، لكنه قوي الصوت، وقال له:
حضرتك مطلوب في الشؤون القانونية.
ضحك “كمال” بصوت عال على غير المعتاد، وقال:
خيرا؛ أنا من يرسل الناس إلى التحقيق عندكم، “هو الزمان اتقلب ولا إيه؟!”
رد الموظف:
هذه تعليمات لا علاقة لي بالأمر، ترسل إلينا، نرسل إليك، لا شأن لي. وقع -هنا- بالعلم.
(2)
التحقيق الأول:
كان بسيطا جدا، ولا يرقى لمستوى التحقيق الفعلي،
مجرد سؤالين، ونظرة شك، وتوقيع وانصراف.
التحقيق الثاني:
كان أطول زمنا، اتهام مبهم، شكاوى مجهولة المصدر، لكنها مزعجة، وتحمل قدرا من تفاصيل العمل.
وعند السؤال عن صاحب الشكوى، يأتي الرد: جاوب فقط على الأسئلة، ولا علاقة لك باسم صاحب الشكوى.
التحقيق الثالث:
جاء محكما مزعجا مدبرا، ونبرة حادة ومرتفعة من المحقق، وكلمات إدانة واتهام مثل: “تجاوزات، استغلال سلطة، الخروج على مدونة السلوك الوظيفي…”.
وبدأ يسمع -لأول مرة في حياته- في أثناء التحقيقات مصطلحات قانونية، وأرقام مواد قانونية، يجهلها تماما، ولا يعرف عنها شيئا، ومن ذلك على سبيل المثال: المادة 57، المادة 58 وغيرهما.
وصار حاله الخروج من تحقيق إلى آخر؛ وتوريطه في أمور لا علاقة لها بطبيعة عمله، المهم الزج باسمه في أي تحقيق.
وفي هذه اللحظات المريرة أدرك الأستاذ “كمال” أن الكرسي إلى زوال، وربما حان وقت الرحيل، دون ارتكاب مخالفات، أو تجاوزات، لكنه كان يصارع نفسه في البقاء حتى ظهور الحقيقة.
(3)
وفي أثناء هذه التحقيقات الممتدة والمستمرة بدأ يلاحظ تغيرات من حوله.
فالسكرتيرة التي كانت تهرع إليه بمجرد رنة جرس واحدة، لا تهتم، ولا تعتذر عن التأخير، ولا تنفذ أوامره.
والموظفون الذين كانوا يتمنون رؤيته للسلام عليه، بدؤوا في تجاهله، وكأنهم لا يرون شيئا.
وسائق السيارة، بدأ يتأخر عليه في الصباح، ولا يحمل له الحقيبة كما كان يفعل قبل ذلك، من تلقاء نفسه.
ولكن هناك من القلة القليلة المخلصة من قال له:
– يا كمال بيه، سمعت بأذني كلاما كثيرا بأن هناك مؤامرات تحاك ضدك، ولن يتركوك تعيش في سلام، حتى منهم من قال، يريدون أن تتقدم باستقالتك.
– يا كمال بيه، تاريخك معروف، ويشهد لك الجميع بالنزاهة، والأمانة، والإخلاص في العمل.
حضرتك كنت آخر واحد يخرج من المكان كل يوم، بعد انتهاء المواعيد الرسمية بساعات.
ولم تسع لأي منصب أو مميزات، ولو كان في الأمر إنصاف لصرت على رأس المؤسسة.
فسأله في دهشة -بعد أن شكره على كلمات جبر الخواطر التي سمعها- ليس لي أعداء، ولم أظلم أحدا يوما، بل كنت في خدمة الكبير والصغير، وعمري ما استغللت منصبي، ولا أنا متمسك بالكرسي، فمن هؤلاء؟!
لا أعلم حقيقةً من هم، لكن معلوماتي من مصادر على اطلاع بدقائق الأمور، ونصيحتي لك اترك المكان بإرادتك قبل طوفان التحقيقات ما يزيد، وتستطيع أن تحاربهم، وتنكل بهم، وتنال منهم، وأنت بعيد عنهم، فكر في الأمر، وربنا يعينك وينور بصيرتك.
(4)
فكر “كمال” في هذا الكلام، وهو في ضيق شديد، وهو يحدث نفسه: أأترك مكاني؟!
بعد كل ما قدمت، وسهرت الليالي في عملي حتى تنهض المؤسسة،
بعد أن وقعت في أزمة طاحنة، كادت تطيح بها، لماذا نسي الجميع ما قدمت، بل وتنكروا، عمري ما حصلت على مكافآت خاصة بي، بل كنا جميعا نحصل عليها،
ولا عمري انتقمت من أحد في التقارير السنوية… إلخ
ورغم شعوره بالمأساة، فإنه وجد الكلام فيه كثير من المنطق، ويحتاج إلى التعقل لا العاطفة؛ فالمعركة التي بدأت تحتاج إلى نفس طويل، وتركيز أكبر، ووجودي هنا سيزيد من الضغط عليَّ، والشؤون القانونية تنفذ تعليمات السلطة المختصة.
وأخذ يردد، في أسى وألم:
– لقد تيقنت أن أصعب المواقف والظروف هي التي تكشف لك حقيقة البشر من حولك، فعندما تسقط الصفة الوظيفية يختفي أصحاب المصالح… وتسقط الأقنعة.
– نعم، سأخرج بإرادتي، وأنتقل إلى مكان آخر.
– ليسقط الكرسي وما تبعه من مميزات…
ولتبدأ المعركة…
معركة الكرامة.











