الذكاء الاصطناعي وأدب الطفل والإبداع .. حكايات الجَدة نموذجًا
شهد العالم في العقود الأخيرة تطورًا وتسارعًا وتعاظمًا هائلا في التكنولوجيا بوجه عام، والذكاء الاصطناعي بوجه خاص؛ وهذا أمر واقعي لا يمكن لأي عاقل إنكاره أو نفيه؛ مما أدى إلى ظهور وسائل جديدة لم تكن موجودة من قبل، بل وبدائل لأشياء كانت موجودة بصورة معينة، والآن يمكن إيجاد بدائل لها، بصورة مغايرة ومناسبة لعصر التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي؛ ومن ثم، فقد ظهرت مفاهيم جديدة لهذا الفكر والإبداع العصري الجديد.
وقد حضرتُ مؤتمر “أدب الطفل في عصر الذكاء الاصطناعي والميتافيرس”، على مدار ثلاثة أيام، في المجلس الأعلى للثقافة، ولم أتغيب عن أي جلسة أو نقاش، واستمعت إلى العديد من المشاركات والأبحاث والمداخلات والمناقشات، وكذلك التوصيات التي جاءت ثمرة لهذا المؤتمر، ولم أدل بدلوي في هذا الشأن؛ حرصا مني على أن ينال أصحاب الأبحاث عرض رؤاهم كاملة، وكان عليَّ أن أتحكم في شهوة الكلام والرغبة في الظهور؛ ولذا آثرت الصمت راضيا مطمئنا متأملا. وفي الحقيقة توقفت عند العديد من الأبحاث بالتفكير والتحليل والنقد، ونظرًا لكثرة الموضوعات سأتوقف عند عنوان واحد دار حول مصطلحي الجدة البشرية والجدة الخوارزمية. أولا، على الرغم من اشتراكهما في كلمة الجَدة (بفتح الجيم وليس بكسرها كما ينطقها البعض خطأً)، فإن لكل منهما طبيعته وخصائصه ومميزاته التي تميزه عن الآخر، وتجعل من هذه المميزات بصمة مهمة وضرورية وفارقة، وثانيا لا أميل إلى استخدام كلمة الجَدة في الحالتين لأن -أولا- الحكي لا يرتبط بسن محددة ولا بنوع معين؛ فقد يقوم بهذه المهمة (الجد/ الأم/ الأب/ الأخت/ الأخ… إلخ، أو الصديقة/ الصديق). وبناء على ذلك أميل إلى استعمال كلمة (الحكاء/ الحكاءة) لمطابقة الحال، ولكني سأناقش المصطلحين كما يستعملان على الألسنة.
والسؤال الذي يطرح نفسه، وسنحاول جاهدين ومجتهدين الإجابة عنه: هل عصر الذكاء الاصطناعي هو عصر الجدة الخوارزمية وبداية إعلان وفاة الجدة البشرية؟
وللإجابة عن هذا السؤال المطروح نقدم تصورًا عن الجَدة البشرية والجَدة الخوارزمية الآلية:
أولا: الجدة البشرية The Grandmother
الجدة البشرية هي أم الأب أو أم الأم وإن علت، وأبناؤهم الذين أنجبوا أولادا لهم، وهؤلاء الأولاد بالنسبة لها هم الأحفاد الذين ينالون الرعاية والحنان والتدليل، وكذلك الحكايات التي تهدف لغرس القيم والمبادئ أو التسلية، ويكون لهذه الجدة قدرات على الحكي والإبداع ونقل الخبرات، ولديها إمكانات خاصة من الخيال الواسع والمشاعر والإقناع والإمتاع والقدرة على التأثير بصوتها وأفكارها، ولديها ثقافة واسعة في مجالات عديدة ومتنوعة، وهو أمر لا يعتمد على الحصول على شهادة تعليمية، بل هو موهبة فطرية وتجارب حياتية ملهمة وذاكرة قوية لمخزون ثقافي كبير.
ثانيًا: الجدة الخوارزمية Algorithmic Grandma
هي صورة إلكترونية مجازية مصطنعة بالذكاء الاصطناعي فرضها العالم الرقمي؛ حيث أصبحت الأنظمة الذكية قادرة على القيام بأدوار تشبه ما كانت تؤديه الجدة البشرية الحقيقية من توجيه وإرشاد ورعاية وتسلية، وتمتاز بأنها قريبة، ومتاحة، وصبورة، وتعيد وتجيب بلا ملل أو كلل، ولا تعتمد على ذاكرة شخصية مخزنة، لكنها تعتمد على كمٍّ هائلٍ من البيانات، ولا تعرف حقيقةً الحنان لكنها محملة باستعمال لغة المواساة، وليس لديها عمر ولا سيرة، لكنها تملك سرعة خارقة في التعامل والإجابة والرد، باستخدام الخوارزميات والذكاء الاصطناعي، من خلال تحليل البيانات، والتعلم من الأنماط، وإعادة تركيب المعلومات بطرق مختلفة بآليات محددة؛ فضلا عن أن هذه الخوارزميات -في السنوات الأخيرة- صارت قادرة على الدخول في كل المجالات والتعامل وتقديم المشورة.
ومن هنا، يتبين لنا أن الجدة الخوارزمية الآلية تختلف كثيرا عن الجدة البشرية الإنسانية؛ لأنها تعتمد على المدخلات التي تدربت عليها والخوارزميات المستخدمة في معالجتها؛ فهي -حقيقة- لا تمتلك وعيًّا أو مشاعر أو نوايا، وإنما تقدم -في ضوء المخزونات- مخرجات جديدة، بعد إعادة تنظيم المعلومات وفق القواعد المبرمجة عليها؛ فهي مخزون بداخلها عمليات أشبه بمن يحفظ جدول الضرب، وما عليها سوى التنفيذ بسرعة فائقة وبطريقة آلية لا عقل فيها ولا تفكير؛ فضلا عن أن قدرتها الفائقة في التعامل مع ملايين المعلومات، وجمعها إلى جانب بعضها في أي صورة مطلوبة عند الحاجة، فضلا عن أنها أحيانا تقدم الأفكار والحلول للمشكلات المعقدة.
ثالثًا: أوجه التشابه بين الجدتين
قد يظن بعض الأفراد أنهما مختلفان تماما عن بعضهما، ولكن هناك بعض أوجه الشبه نجملها في: القدرة على إنتاج وإبداع شيء جديد ومفيد كالحكي، وكلاهما يعتمد على الخبرات المخزنة في الذاكرة؛ سواء أكانت بشرية أم إلكترونية؛ ولكل مميزاتها وسماتها وثمارها، ولا نستطيع المقارنة بينهما من جهة الأفضلية إلا من خلال المقارنة بين المخرجات الحكائية؛ وذلك في ضوابط محددة ومناسبة للحالتين.
رابعًا: أوجه الاختلاف بين الجدتين
رغم وجود أوجه التشابه التي ذكرناها، فإنه مما لا شك فيه أن هناك اختلافات بيّنة بينهما، ومن ذلك -على سبيل المثال لا الحصر- أن الجدة البشرية الإنسانية بصوتها المألوف، ونبرتها المطمئنة، ولمستها الآمنة الحانية لكل من حولها، وتفاصيل حكاياتها الحياتية الصغيرة والدقيقة تعتمد على عناصر نفسية اجتماعية فلسفية؛ سواء بالمعنى البسيط أو بالمعنى المركب، وهي نابعة من الوعي والإدراك والخبرات الشخصية والتجارب الحياتية، وتتكون مقترحاتها وحلولها ورؤيتها في ضوء المنظومة القيمية والأخلاقية والعاطفة والمشاعر الحقيقية والخيال والإبداع مع مراعاة تحمل النتائج والمسؤولية، في حين أن الجدة الخوارزمية على العكس من ذلك تماما تعتمد على الخوارزميات المدخلة؛ ومن ثم فلا مجال للعواطف في ظل وجود الحسابات الجامدة الجافة، حتى وإن رأينا تقديم حلول وأفكار جديدة مبتكرة، وكل هذا وثماره بلا أدنى مسؤولية، فمثلا لو تمت عملية طبية بالذكاء الاصطناعي ومات المريض؛ فلا يمكننا أن ندين هذه الآلة، وكذلك الشأن في كل الأفكار والحكايات.
وبدلًا من النظر إلى الجدة البشرية والجدة الخوارزمية باعتبارهما ندين أو أنهما في خصومة كاملة أو قطيعة، يمكننا اعتبارهـما متكاملتين، فما لا يتوافر في واحدة تعوضه الأخرى، مع الأخذ في الاعتبار أن الجدة البشرية صاحبة الحكمة الإنسانية والخبرات المتراكمة هي التي تربِّي وتَرعى، وأن الجدة الخوارزمية صاحبة الحساب التقني هي التي تسهّل وتوفر الوقت والجهد؛ ومن ثم -وبإيجاز شديد- فالأولى تُنْشئ الإنسان، والثانية تُحسِّن الخدمة، مع الأخذ في الاعتبار أنها ستظل في حاجة إلى ضمير يوجهها، وإلى قيم تحدُّ من أضرارها المتوقعة. ولم لا نعتمد على الجدة الخوارزمية، بوصفها أداة مساعدة، ووسيلة للتيسير، مع الحرص على أهمية الخبرة الإنسانية، والتعامل بوعي كامل مع هذه الآليات الذكية؟!
التحديات المستقبلية
يثير انتشار الجدة الخوارزمية عددًا من القضايا والتحديات الجديدة، لعل من أهمها مسألة حماية حقوق الملكية الفكرية؛ ومن ثم ضمان العدالة في استخدام البيانات، وكذلك الحد من التحيزات الموجودة في الخوارزميات الإلكترونية، والحفاظ على دور الإنسان في عملية الإبداع. كما يبرز سؤال مهم حول كيفية التمييز بين الأعمال التي ينتجها الجنس البشري، وتلك التي تنتجها الأنظمة الذكية الإلكترونية؛ وعدم طمس الهوية؛ فدائما تكون للحكاية جذور، ومن خلال هذه الخوارزميات لا نعلم مصدر هذه الحكايات، وتكون الحكايات مجهولة الهوية، مجهولة المصدر، غير محددة القيمة والمبادئ؛ نتيجة لهذا التداخل والتشابك اللا محدود، خاصة أننا على يقين بأن هذه الأدوات والآليات المبنية على الذكاء الاصطناعي تزداد مع الوقت؛ فالعالم في سباق هائل في تنمية هذه التكنولوجيات، ويقترن بذلك بغياب الأطر القانونية والأخلاقية المرتبطة بالحفاظ على الإبداع البشري.
وأخيرًا، تمثل الجدة البشرية وما تملكه من دفء وحنان وأنس، والجدة الخوارزمية وما تملكه من حسابات دقيقة وجهين مختلفين للإبداع، ولكل منهما عصره وظروفه وآلياته، ومميزاته؛ فالجدة البشرية تستند إلى الوعي، والخيال، والخبرات، والمشاعر؛ ومن ثم فهي تمثل حكمة القلب- إن جاز التعبير، بينما تعتمد الجدة الخوارزمية على تحليل البيانات، وآليات الخوارزميات وتوجيهها؛ ومن ثم فهي تمثل حكمة العقل- إن جاز الوصف. ورغم اختلافهما، فإن التكامل بينهما يفتح آفاقًا واسعة للتقدم العلمي والتقني، ويمنح المجتمعات فرصًا أكبر لمواجهة التحديات وتحقيق التنمية، ولا شك أن الإنسان سيظل هو العنصر الأساسي في التحكم في التكنولوجيا، وتحديد أهدافها، وضمان استخدامها بما يخدم البشرية ويحقق مستقبلًا أكثر إبداعًا وازدهارًا، وهو ما نأمله في الحاضر والمستقبل.










