الترجمة الأخلاقية والترجمة اللا أخلاقية
تُعد الترجمة من أهم وسائل التواصل بين الشعوب والثقافات، فهي لا تقتصر -في أكثر من مقال سابق- على نقل الكلمات من لغة إلى أخرى، بل تشمل نقل المعاني والأفكار والقيم والسياقات الثقافية؛ ومن هنا تبرز أهمية أخلاقيات الترجمة؛ لأنها تمثل مجموعة المبادئ والمعايير التي تحكم سلوك المترجم في أثناء أداء رسالته المنوطة به، فهو لا يتبع هواه، بل عليه أن يقدم ترجمة دقيقة وأمينة تحافظ على حقوق جميع الأطراف؛ ومن ثم، فالمترجم لا يؤدي دورًا لغويًا فحسب، بل يتحمل مسؤولية مهنية وأخلاقية كبيرة، خاصة عندما يتعلق الأمر بالوثائق القانونية أو الطبية أو الدينية أو السياسية أو الأكاديمية أو أي وثيقة سيترتب عليها قرار ما.
ولذا؛ فالترجمة الأخلاقية -إن صح التعبير- هي مجموع القواعد الموضوعية والاستعدادات الذاتية التي يسير وفقها المترجم، وليست أحكاماً قسرية أو مواعظ، وتتلخّص القواعد الموضوعية في المعرفة الكافية والوافية للغة أو اللغات المراد الترجمة منها أو إليها، وتتسم -إجمالا- بالأمانة والنزاهة والدقة والحياد والسرية -أحيانا- والمسؤولية المهنية مع الحفاظ على المعنى والهوية الثقافية، بينما تُشكّل الترجمة غير الأخلاقية خيانة للأصل عبر التلاعب بالمعنى أو إخفاء الحقائق أو إضافة آراء لا علاقة لها بالنص الأصلي، ويجب علينا أن نفرق بين الأخلاق الجمعية (morality) ذات الأحكام القسرية حول ما ينبغي فعله أو الامتناع عنه، والأخلاق الفردية (ethics) التي تتلخص في مجموع الاستعدادات والطِباع التي يتفرَّد بها الإنسان، وشتان بينهما من ناحية القبول أو الرفض.
من أهم المبادئ الأخلاقية في الترجمة وأكبر التحديات (الأمانة). ويقصد بها نقل محتوى النص الأصلي بصدق ودقة دون حذف أو إضافة أو تعديل يؤثر في المعنى. فالمترجم الأمين لا يسمح لآرائه الشخصية أو معتقداته أو انتماءاته الفكرية بالتدخل في النص، فإذا كان النص يتضمن أفكارًا لا يتفق معها المترجم، فإن واجبه المهني يقتضي ترجمتها كما وردت، ما دامت لا تخالف القانون أو المعايير المهنية المعمول بها؛ فالترجمة يجب أن تتضمن توقيع صاحب النص الأصلي.
وبعد تحقيق سمة (الأمانة) يجب أن تقترن بها سمة (الدقة)، وهي من الركائز الأساسية لأخلاقيات الترجمة؛ فالأخطاء في الترجمة والتساهل في النقل قد تؤدي إلى نتائج خطيرة، خاصة في المجالات المتعلقة بقرارات مصيرية ستبنى على الترجمة. فعلى سبيل المثال- في مجال الطب، قد يؤدي خطأ بسيط في ترجمة جرعة دواء أو تعليمات علاجية إلى الإضرار بصحة المرضى، وكذلك في مجال الترجمة القانونية، قد يترتب على سوء الترجمة فقدان حقوق قانونية أو حدوث نزاعات قضائية؛ لذلك يجب على المترجم التأكد من صحة المصطلحات والمفاهيم قبل اعتمادها، وهي إشكاليات كبيرة ودقيقة في آن واحد.
وتأتي -ثالثًا- من المبادئ الأخلاقية المهمة أيضًا (السرية)؛ فكثير من المترجمين يتعاملون مع وثائق خاصة أو معلومات حساسة تتعلق بالأفراد أو المؤسسات، ومن واجبهم عدم كشف هذه المعلومات أو مشاركتها مع أي طرف غير مخول بالاطلاع عليها، ويشمل ذلك العقود التجارية، والتقارير الطبية، والملفات القانونية، والمراسلات الشخصية، وكل ما يتعلق بمقدرات الدولة، على شتى الأصعدة، ويُعد انتهاك هذه السمة (السرية) من أخطر المخالفات الأخلاقية التي قد تؤدي إلى فقدان الثقة بالمترجم ومساءلته قانونيًا.
ويأتي -رابعًا- سمة (الحياد)، والتي تعد عنصرًا أساسيًا في العمل المترجم؛ فالمترجم مطالب بنقل الرسالة كما هي دون التلاعب بها لخدمة موقف معين أو التأثير في المتلقي أو التزييف والميل لتحقيق مصلحة ما، ويتجلى هذا الأمر بصورة خاصة في ترجمة الأخبار والخطابات السياسية والتقارير الدولية؛ حيث يمكن لأي تحيز أن يؤدي إلى تشويه الحقائق أو تضليل الجمهور وانتشار الوهم؛ لذلك يجب على المترجم أن يحافظ على مسافة مهنية واضحة بينه وبين النص، وأن يلتزم الموضوعية قدر الإمكان، وقدر الطاقة والجهد.
ويأتي -خامسًا- سمة (الكفاءة المهنية)؛ فلا ينبغي للمترجم أن يقبل ترجمة نصوص تفوق خبرته أو تقع خارج مجال تخصصه دون امتلاك المعرفة اللازمة، ويا ليت كل مترجم يعرف حدوده وآفاقه وطاقاته، فلا يتخطاها؛ فترجمة النصوص المتخصصة تتطلب فهمًا عميقًا للمجال المعني والخبرة والدراية الكافية، سواء كان قانونيًا أو طبيًا أو تقنيًا أو ماليًا أو تجاريا أو رياضيا أو سياسيات أو علميا، وعندما يترجم شخص غير مؤهل نصًا متخصصًا، فإنه يعرض جودة العمل للخطر ويخالف مبدأ المسؤولية المهنية، ويشارك في التضليل والتزييف، ولكن هذه المرة نتيجة عدم الإلمام بالنصوص في مصادرها الأصلية.
وفي المقابل، هناك العديد من الممارسات التي تُعتبر غير أخلاقية في مجال الترجمة؛ ومن أبرزها (التحريف المتعمد للنصوص)، ويحدث ذلك عندما يقوم المترجم بتغيير المعاني أو حذف أجزاء مهمة أو إضافة معلومات غير موجودة في النص الأصلي بهدف التأثير على القارئ أو خدمة مصالح معينة، ويُعد هذا السلوك انتهاكًا مباشرًا لمبدأ الأمانة ويؤدي إلى فقدان مصداقية الترجمة والمترجم، ولذلك أتفهم موقف كل مترجم تخصص في مجال معين لا يحيد عنه، وهذا ما جعلني أقف احتراما وتقديرا لكل من قابلني، وأخبرني أنه لا يترجم إلا في مجال محدد، ورفض الترجمة في مجال لا يجيده، وليست لديه دراية وخبرة كافية فيه، ويرفض بشدة أن يكون (مترجما عموميا).
ومن الممارسات غير الأخلاقية أيضًا (السرقة الفكرية)؛ فقد يلجأ بعض المترجمين إلى نسخ ترجمات الآخرين أو استخدام أعمالهم دون الإشارة إليهم أو الحصول على إذن منهم، وهذا السلوك يتعارض مع حقوق الملكية الفكرية، والتي انتبه العالم لأهميتها، ويجرم كل من يرتكب هذا الفعل القبيح؛ فهي مخالفة مهنية جسيمة، كما يشمل ذلك نسب عمل مترجم آخر إلى النفس أو تقديم ترجمة منقولة على أنها جهد شخصي، وقد قابلنا من نزع الغلاف ثم وضع غلافا جديا ووضع عليه اسمه، دون بذل أي مجهود في مطالعة الترجمة، بل هي بأخطائه، بغلاف جديد فقط، ويا لها فضيحة كبيرة ووصمة عار لا تمحى.
كذلك يضاف إلى ما سبق (إفشاء المعلومات السرية)، فهو سلوك غير أخلاقي؛ فعندما يقوم المترجم بنشر معلومات حصل عليها في أثناء عمله أو استخدامها لتحقيق مكاسب شخصية فيما بعد أداء عمله، فإنه يخرق الثقة التي أُوكلت إليه، وكان عليه ألا يفعل ذلك، ويمارس مهنته بأمانة وشرف؛ فقد يسبب ذلك أضرارًا كبيرة للأفراد أو المؤسسات المرتبطة بهذه البيانات والمعلومات.
وكذلك من السلوكيات غير الأخلاقية (القبول بمهام ترجمة دون امتلاك الكفاءة اللازمة)؛ فبعض المترجمين يقبلون مشاريع معقدة رغم عدم إلمامهم بالمجال المطلوب، وهذا كثير للأسف الشديد، على اعتبار أنها مهنة تجلب مالا، أو توسيع نطاق أعمالهم، إلا أن هذا التصرف قد يؤدي إلى إنتاج ترجمة ضعيفة ركيكة أو مضللة، وهو ما يضر ولا يفيد، ويشوه سمعة المترجم، ولو بعد حين.
كما يُعد التضليل بشأن المؤهلات والخبرات من الممارسات غير الأخلاقية؛ فقد يدعي بعض المترجمين امتلاك شهادات من مراكز أو مؤسسات أو خبرات غير حقيقية للحصول على فرص عمل أو مشاريع أكبر؛ ويؤدي ذلك إلى خداع العملاء والإخلال بمبدأ النزاهة المهنية، وللأسف الشديد ساعد عدد من المؤسسات في هذا الأمر، بعمل دورات لا تثمن ولا تغني من جوع، في ساعات قليلة محدودة، ثم يخرج الشخص بشهادات وهمية الإفادة والتحصيل، مقابل صبره على الجلوس أحيانا مقدار ساعتين أو ثلاث؛ كي ينال الشهادة الورقية من مؤسسة كذا، ودائما ما أسأل: هل أثمرت هذه الدورات والورش عن ميلاد مترجمين جدد؟!
فضلا عن إضافة الآراء الشخصية، والتلاعب بالمعنى، وإخفاء الحقائق الثقافية، والتأثيرات الاجتماعية والأيديولوجية، والاعتماد على الترجمة الآلية. وفي العصر الرقمي، ظهرت تحديات أخلاقية جديدة مرتبطة باستخدام أدوات الترجمة الآلية والذكاء الاصطناعي. فليس من غير الأخلاقي استخدام هذه الأدوات بحد ذاته، لكنها تصبح مشكلة عندما يعتمد المترجم عليها اعتمادًا كاملًا دون مراجعة أو تدقيق أو تنقيح ما يلزم، ثم يقدم الناتج على أنه ترجمة بشرية دقيقة ومعاصرة.
وختامًا، إن الترجمة الأخلاقية هي شكل من أشكال الأخلاقيات العملية التي يضطلع بها كل مترجم محترف، وهي تقتضي تكوينا ذاتيا وإتقانا فنيا للمادة المترجَمة، فالترجمة بوصفها عملا إبداعيا فذا ينفخ الحياة في النصوص الأصلية، لكن هذا النفخ يجب أن يكون في صورة ميثاق أخلاقي يحافظ على الهوية الكاملة للنص الأصلي.. فهل نفعلها









