وجوه خفية إبداعية في عوالم التأليف والترجمة والنشر
على مدى أكثر من ربع قرن، كانت رحلتي مع التأليف والنشر والغوص في أعماق الكتب بوجه عام، وكتب الترجمة بوجه خاص -ولا شك أن العمل في عالم الترجمة يختلف كلية عن المجالات الأخرى- أشبه برحلة طويلة عبر مدنٍ كثيرة، لكل مدينة رائحتها، وأصواتها، وأحلامها، وصعوباتها أيضًا؛ فلم تكن وظيفة أؤديها كل يوم صباح مساء، بل كانت حياة كاملة، امتلأت بالتفاصيل الدقيقة التي صنعت في النهاية ملامح تجربتي الإنسانية والمهنية والثقافية؛ فحين تقرأ في اللغات المختلفة وتطالع الثقافات المتنوعة، في مختلف دول العالم، فإنك تكتسب خبرات ومعلومات تشكل فكرك وذائقتك وفلسفتك؛ خاصة إذا كنت متخصصا في علوم اللغة العربية وآدابها، وتجيد التعامل، مع أكثر من لغة أجنبية.
حين بدأت خطواتي الأولى في هذا المجال، كنت أظن أن التعامل مع النصوص ومراجعتها وتحريرها وتنقيتها من كل الشوائب مهمة بسيطة تعتمد على إتقان اللغة وبعض الصبر، لكنني اكتشفت سريعًا أن الأمر أعمق بكثير. فالمراجع اللغوي لا يتعامل مع كلمات صامتة، بل مع أرواحٍ تختبئ داخل الجمل، ومع أفكارٍ تعبر من لغة إلى أخرى محاولةً ألا تفقد نبضها الأصلي؛ فقد كنت أشعر -أحيانًا- أنني أقف على جسر طويل بين ثقافتين، أحاول أن أحافظ على توازن المعنى حتى لا يسقط في هوة الترجمة الحرفية أو التبسيط المخل، وأتشكك في الترجمة، وأن المترجم والناقل من اللغات الأخرى قد جانبه الصواب، وأن المعنى في النص الأجنبي يختلف تماما عن الترجمة إلى العربية؛ ومن ثم، فإننا نعود إلى النص الأصلي لحل هذه الإشكاليات وإعادة قراءتها مرة ثانية وثالثة حتى تستقيم الجملة العربية.
في سنواتي الأولى، في أثناء هذه الرحلة، كانت المتعة الأكبر تكمن في الاكتشاف والتعديل والتدقيق، وكل كتاب جديد كان بمنزلة نافذة تُفتح على عالم مختلف؛ مرة أدخل عالم الفلسفة، ومرة أتنقل بين الروايات العالمية، ومرة أجد نفسي غارقًا في كتب التاريخ أو العلوم الإنسانية أو الكتب العلمية…إلخ. كنت أتعلم مع كل صفحة أقرؤها وأراجعها، حتى شعرت أنني عشت حيوات كثيرة داخل حياة واحدة؛ حتى يمكنني القول -بثقة واعتزاز- لقد منحتني الكتب فرصة السفر دون مغادرة مقعدي، وأهدتني معرفة لم أكن لأحصل عليها بطرق أخرى، في هذه الرحلة حول العالم.
لكن الطريق لم يكن سهلًا أبدًا؛ فمن أصعب ما واجهته في هذا العمل ذلك الصراع الدائم مع الوقت وتحقيق الإنجاز؛ فكل مؤلف أو مترجم أو دار نشر تريد الكتب بسرعة، وصاحب العمل ينتظر الانتهاء، في أسرع وقت ممكن، والطباعة لها مواعيد صارمة لا ترحم، خاصة إذا تعلق الأمر بمعرض دولي على سبيل المثال أو بحدث دولي مهم. كنت أقضي أحيانًا أياما وليالي طويلة، أتنقل بين القواميس والمراجع والنصوص المختلفة، أبحث عن معنى دقيق أو تعبير أكثر ملاءمة؛ ومن الأمراض المهنية بالضرورة؛ إرهاق العينين، ومشكلات الفقرات وآلام الظهر التي لا تنتهي، لكنني رغم ذلك كنت أشعر بمسؤولية كبيرة؛ لأن خطأ صغيرًا قد يشوه فكرة كاملة، أو يفسد جمال نص تعب صاحبه في كتابته وفاته أشياء تحتاج إلى بعد التعديلات.
ومن العقبات التي لا تُنسى أيضًا، تلك اللحظات التي كنت أجد فيها ترجمة ضعيفة أو مضطربة، فأضطر إلى إعادة صياغة فقرات كاملة حتى تصبح مفهومة ومتماسكة؛ فأحيانًا كنت أشعر أنني أترجم النص من جديد لا أراجعه فقط، وكان هذا يتطلب جهدًا ذهنيًا هائلًا، خصوصًا عندما يكون الكتاب طويلًا أو مليئًا بالمصطلحات المتخصصة. ومع ذلك، كنت أؤمن دائمًا أن احترام القارئ يبدأ من احترام اللغة، ومن تقديم نص واضح وأمين في الوقت نفسه.
أما المتعة الحقيقية؛ فقد كانت تظهر عندما يصل الكتاب إلى يدي مطبوعًا بعد أشهر طويلة من العمل. كنت أقلب صفحاته بشعور يشبه شعور الأب، وهو يرى ابنه بداية من الولادة ثم يكبر أمامه، وكل كتاب جديد هو مولود جديد. صحيح أن اسم المراجع لا يظهر غالبًا كما يظهر اسم الكاتب أو المترجم، وفي كثير من الأحيان لا أهتم بذكر الاسم؛ خاصة أن الإنتاج فاق كل التوقعات، لكنني كنت أعرف في داخلي مقدار الجهد المختبئ بين السطور وخلف النصوص، وكان يكفيني أحيانًا أن يقرأ أحدهم كتابًا راجعته دون أن يتعثر في خطأ أو غموض؛ لأن هذا يعني أنني نجحت في أداء دوري بصمت وإخلاص، أو يحصد الكتاب جائزة من الجوائز، وما أكثرها!
خلال هذه السنوات الطويلة، تعلمت أن اللغة كائن حي، يتغير باستمرار ويتطور، ويحتاج ممن يعملون بها إلى التطور الدائم والاطلاع المستمر؛ كثير من الكلمات التي كانت شائعة في القرن العشرين -على سبيل المثال- تغيرت دلالاتها أو اختفى استخدامها، كما ظهرت مصطلحات جديدة فرضتها التكنولوجيا والانفتاح الثقافي؛ لذلك لم يكن بإمكاني التوقف عن التعلم يومًا واحدًا؛ فقد كنت أقرأ باستمرار، وأتابع تطورات اللغة وأساليب الكتابة الحديثة؛ لأن الجمود في هذا المجال يعني التراجع السريع، وخاصة أن الترجمة غالبا ما تأتي بكلمات جديدة، وأتذكر منها الموسوعات والسلاسل- على سبيل المثال: موسوعة البلاغة، وثائق حرب أكتوبر، موسوعة المصطلحات النفسية والسلوكية، موسوعة الهرمونيوطيقا، موسوعة وسلسلة المسرح، موسوعة العلوم الاجتماعية، سلسلة المعاجم والقواميس، سلسلة ميراث الترجمة، سلسلة الإبداع القصصي، سلسلة أدب الأطفال، موسوعة النقد الأدبي…إلخ.
ومن أكثر الأمور التي أثرت في نفسي، أن هذا العمل علمني التواضع؛ فاللغة بحر لا نهاية له، ومهما بلغ الإنسان من الخبرة سيظل يكتشف كل يوم ما يجهله؛ فكم مرة ظننت أنني أمتلك الإجابة الصحيحة، ثم اكتشفت بعد البحث أن هناك تعبيرًا أدق أو معنى أعمق؛ لهذا أصبحت أكثر صبرًا، وأكثر احترامًا للتفاصيل الصغيرة التي يصنع منها النص الجيد بدلالات واضحة فصيحة، وليس اعتمادا على الشائع على الألسنة.
ورغم كل الصعوبات، بقيت هناك أمنيات ترافقني طوال الرحلة؛ كنت أتمنى دائمًا أن يحظى المراجع اللغوي بمكانة أكبر في عالم النشر والتأليف والترجمة، وأن يُنظر إلى دوره بوصفه شريكًا حقيقيًا في صناعة الكتاب، لا مجرد مرحلة أخيرة قبل الطباعة، كما كنت أحلم بوجود اهتمام أوسع بجودة الترجمة العربية؛ لأن الترجمة ليست نقل كلمات فقط، بل نقل حضارات ومعارف وأفكار؛ فكثيرا ما كنت أعجب بترجمة من الترجمات، وأصفق لصاحبها، أذكر من ترجمات الراحلين أمثال: الدكتور محمد عناني، والدكتور مصطفى لبيب، والأستاذ شوقي جلال، والأستاذ بشير السباعي، والدكتور مصطفى ماهر، والأستاذ طلعت الشايب، الدكتور أحمد مستجير، الدكتور أحمد شوقي، إبراهيم الدسوقي شتا، والدكتور قاسم عبده قاسم، والدكتور مصطفى فهمي، الدكتور إمام عبد الفتاح… وغيرهم كثر، وأهم ما يميزهم امتلاكهم لناصية اللغتين؛ المترجم منها والمترجم إليها.
كنت أتمنى أيضًا أن يجد الجيل الجديد من العاملين في هذا المجال بيئة أكثر دعمًا، تتيح لهم التدريب والتطور، وتحفزهم على الإبداع بدلا من الاكتفاء بالعمل السريع أو عدم الاهتمام بإخراج الكتاب بلغة صحيحة سليمة فصيحة؛ فالمراجعة اللغوية ليست مهنة ميكانيكية، بل هي فن يحتاج إلى حس لغوي وثقافي وإنساني عميق.
واليوم، بعد مرور أكثر من ربع قرن من الغوص في عوالم الكتب عامة والترجمات خاصة، أستطيع القول إن هذه الرحلة، رغم تعبها وصعوبتها، كانت -ولا تزال- واحدة من أجمل مراحل العمر التي تعلمت فيها ما أعجز عن إحصائه. لقد منحتني الكتب أصدقاء لا أعرف وجوههم، وأخذت بيدي إلى عوالم لم أكن لأصل إليها وحدي، وربما كان أجمل ما في الأمر كله أنني ما زلت، حتى الآن، أشعر بالدهشة نفسها كلما فتحت كتابا جديدًا، وكأن الرحلة لم تبدأ إلا بالأمس القريب.









