زمان كان الطلاق حدث كبير، كلمة تتقال وبيت يتقفل وصوت يعلى. اليوم ظهر طلاق أخطر وأوجع، طلاق بلا مأذون ولا ورق ولا صوت. طلاق يسكن في معظم البيوت ونحن لا نراه. هو أن يعيش الزوجان تحت سقف واحد، يأكلان من طبق واحد أمام الناس، وكل واحد منهما يعيش في جزيرة منفصلة. هذا هو “الطلاق الصامت”.
الطلاق لم يعد ورقة يمضيها مأذون، أصبح حالة يعيشها ملايين الأزواج وهم نائمون في سرير واحد. هو أخطر أنواع الطلاق لأنه بلا صوت، بلا نهاية، وبلا علاج واضح. زوجان يعيشان كالغرباء، يجمعهما سقف واحد وتفرقهما آلاف الأميال من الصمت.
1– الجانب الاجتماعي:
بقينا بنتجوز عشان الشكل الاجتماعي يكمل، مش عشان المودة تكمل. الخوف من كلمة “مطلقة” ومن نظرة المجتمع بيخلي الست ترضى تعيش ميتة بالبطيء. والراجل يخاف من كلمة “فشل في جوازته”. فبنختار نعيش صورة حلوة قدام الناس وبيت فاضي من جوه.
2- الجانب الاقتصادي:
زمان كانت الست ممكن تطلب الطلاق. دلوقتي مع الغلاء، الطلاق الحقيقي مكلف جدًا.. شقة جديدة، نفقة، مصاريف محاكم. فالناس اختارت الحل الأرخص: نكمل في نفس الشقة بس كل واحد في حاله. الجواز اتحول من سكن لمشروع اقتصادي فاشل، بنكمل فيه عشان الخسارة.
3- الجانب النفسي:
وده أخطر جانب. الصمت ده بيعمل إيه؟
الراجل بيحس إنه مرفوض وغير مرغوب فيه، فيدور على التقدير بره.. قهوة، صحاب، شغل زيادة.
والست بتحس إنها مش متشافه، بقت مجرد مكنه تطبخ وتنضف وتربي، فتفقد ثقتها في نفسها وتدخل في اكتئاب صامت.
الاتنين عايشين إحساس بالوحدة وهم جنب بعض، وده أوجع من وحدة المطلقة الحقيقية.
4- الجانب التكنولوجي – الضرة الجديدة:
الموبايل هو الضرة الجديدة في كل بيت. كل واحد ماسك عالمه في ايده. هو بيضحك على فيديوهات التيك توك، وهي بتعيط على قصص الانستجرام. بنعمل بلوك لبعض واحنا في نفس الأوضه. السوشيال ميديا قتلت الحوار، وخلت كل واحد يلاقي اللي يسمعه بره البيت بدل ما يسمع شريك حياته.
5- الجانب الديني:
ربنا قال “وجعل بينكم مودة ورحمة” مقالش وجعل بينكم تلاجة وغسالة وعيال. المودة هي الحب وقت الحب، والرحمة هي الحب وقت الخلاف. الطلاق الصامت هو موت الاثنين معًا. الإسلام لم يشرع الزواج ليكون سجنًا، شرعه سكنًا. والسكن مش حوائط، السكن قلوب.
6- الجانب الصحي:
الدراسات بتقول إن الزوجين اللي عايشين طلاق صامت أكثر عرضة للضغط والسكر والقلب والأرق المزمن. الجسم بيترجم الصمت ده لمرض. ستات كتير بتشتكي من صداع مزمن ووجع في الجسم سببه الحقيقي كلمة ما اتقالتش وحضن ما اتاخدش.
7- الجانب التربوي – تأثيره على الأولاد:
دي الكارثة الكبرى. الطفل اللي بيكبر في بيت صامت بيتعلم ٣ حاجات خطيرة:
إن الجواز يعني نكد وصمت، فيكره الجواز.
إن التعبير عن المشاعر ضعف، فيطلع كتوم ومعقد.
إنه السبب في تعاسة أهله، فيعيش بذنب طول عمره.
احنا بنربي جيل مشوه عاطفيًا واحنا فاكرين إننا بنحافظ عليه لما بنقول “عشان العيال”.
8- الجانب القانوني والمجتمعي:
القانون بيعترف بالطلاق الورقي بس، لكن المجتمع بيدفع تمن الطلاق الصامت. زيادة في الخيانات الزوجية الإلكترونية، زيادة في حالات الاكتئاب عند الستات، وزيادة في هروب الرجالة من البيت. هو قنبلة موقوتة بتنفجر في شكل خناقة كبيرة أو خيانة أو مرض مفاجئ.
واخيرًا الطلاق الصامت مش قدر، هو نتيجة إهمال متراكم. وحله مش مستحيل:
رجعوا ساعة بلا موبايل: كل يوم ساعة نقفل الموبايلات ونسمع بعض بجد.
اتعلموا لغة التقدير: كلمة شكرًا، تسلم ايدك، ربنا يخليك لينا.. بتحيي بيت ميت.
ما تدخلوش حد بينكم: لا أمها ولا صاحبه. مشكلتكم تتحل بينكم جوه أو عند متخصص فاهم، مش في جروب فيسبوك.
افهموا القوامة صح: الراجل أمان واحتواء مش فلوس وأوامر، والست سكن ورحمة مش خدمة وطبيخ.
إما أن نكون أزواجًا بجد، أو ننفصل باحترام.. أما أن نعيش أمواتًا في بيوت واقفة، فهذا ظلم لا يرضاه دين ولا ضمير.









