جدلية الخوف والمقاومة
رواية “شيء من الخوف” نموذجًا
تُعد رواية “شيء من الخوف” (1960م)، للروائي المصري ثروت أباظة من الأعمال التي تجاوزت حدود الحكاية الريفية التقليدية ذات الأفق الضيق، والمكان المحدود؛ لتتحول إلى نص رمزي شديد الكثافة يحلق في الفضاء الواسع الحالم، والذي -من خلاله- يطرح المؤلف قضية مهمة، وهي مشكلة الظلم والاستبداد التي يعاني منها البسطاء والضعفاء؛ بسبب ما يفرض عليهم بالقوة الباطشة، سواء أكانت تلك القوة ترمز إلى سلطة القائمين عليهم أو تنمر الخارجين عن القانون. وقد ارتبطت الرواية في الوعي الثقافي المصري بشخصيتين رمزيتين، وهما: (عتريس، وفؤادة)، وكذلك المقولة الشعبية المشهورة كثيفة الدلالة: “زواج عتريس من فؤادة باطل”، لما تحمله من دلالة تتجاوز أحداث الرواية إلى سؤال أعمق وأكثر تعقيدا وغير محدود المعنى يتعلق بمشروعية السلطة والنفوذ حين تتحول إلى قهر وطغيان. والرواية في أصلها عمل قائم على تعدد الأصوات والتعمق في البنية النفسية والاجتماعية والفلسفية للشخصيات، وكذلك الناحية الاستشرافية، وهو ما أكده عدد من الدراسات التي تناولت تقنياتها السردية، وسوف نتوقف عند بعض تفاصيلها على النحو التالي:
أولًا: دلالة العنوان
يبدو عنوان الرواية الذي اختاره المؤلف “شيء من الخوف” بسيطًا للوهلة الأولى ومقتضبا وغير واضح، فهو يدفع المتلقي إلى طرح العديد من الأسئلة: أي خوف يقصد؟ وممن؟ ولماذا؟ لكنه يحمل مفتاحًا أساسيًا لجذب الانتباه وإثارة الذهن. فالخوف -هنا- ليس حالة نفسية طبيعية عابرة، وإنما يمثل الخوف آلية للسيطرة والبطش. فـ”عتريس” لا يحكم “الدهاشنة” بالقوة وحدها، بل يجعل الخوف حاضرًا في وعي أهل القرية -بصورة غير منطقية- حتى يصبحوا شركاء في استمرار سلطته، والإيمان بمقولة: “من خاف سلم”؛ فالمستبد يحتاج أن يرى ويطالع القوة المرئية في عيون أهل القرية، بل يذهب إلى أبعد من ذلك، وهو ترسيخ الاعتقاد بأن مقاومته مستحيلة، ومحاولة مواجهته ضرب من الخيال واللا عقلانية، وهو ما أصابه بالغرور المفرط وحالة أشبه بالجنون من خلال ترديد قوله: “أنا عتريس”.
ومن الجدير بالذكر أن المؤلف بذكائه الشديد لم يضخم “الخوف” في العنوان، ولم يجعله قدرًا أبديًّا؛ لا فكاك منه، وهذا ما دلت عليه كلمة “شيء” المفردة المنكرة للتقليل من هذه الحالة التي تظهر في نهاية الرواية بوجهها الحقيقي، وهو أن الخوف حالة هشة وقابلة للهدم، والانتهاء.
ثانيًا: المكان بوصفه رمزًا
اختار المؤلف قرية “الدهاشنة” مسرحًا لأحداث الرواية، لكن يجب الأخذ في الاعتبار بأنه لا يتعامل معها بوصفها مجرد قرية صغيرة محدودة غير موجودة على الخريطة لا يأبه أحد بما يجري فيها، بل يجعلها نموذجًا مصغرًا للمجتمع المصري بكل صراعاته وأزماته ومشكلاته التي تتجدد وتتكرر وتنتقل من مكان إلى مكان.
و”الدهاشنة” مجتمع قروي بسيط يتكسب قوته من حرفة “الزراعة والفلاحة” التي ترتبط ارتباطا وثيقا بالماء والأرض؛ ولذلك استمد “عتريس” قوته من خلال التحكم في موارد القرية لترسيخ نفوذه وفرض الاستبداد من خلال هذه الرؤية: “من يملك الماء يستطيع أن يفرض إرادته على الجميع”. وعندما تقرر الفتاة “فؤادة” أن تقاومه وتتصدى لجبروته، فكان لزاما عليها -أولا- أن تنتزع من قبضته سلطان التحكم في الماء؛ فالماء هو القوة، والماء هو الحياة، وتحتاج في المواجهة إلى “شيء من الكرامة/ شيء من الشجاعة”.
ثالثًا: شخصية المستبد “عتريس”
هو الشخصية المحورية في الرواية، لكنه ليس مجرد “شرير” بالمعنى البسيط التقليدي فحسب، بل هو النموذج والرمز لكل طاغ مستبد مستغل للفقراء والضعفاء دون وجه حق، المتحكم في أقواتهم، وأقوات أولادهم، “ها هو ذا في المرآة اليمنى.. هناك في الجانب البعيد إني أعرفه ولا أكاد أعرفه.. إنه أنا.. وأين منه أنا.. إلى جانبه ذلك الفتى الذي كان يخرج مع جده في سهرات الليل المحفوفة بالمخاطر.. وكان يخاف، ولكن جده ما زال به حتى أمات الخوف في نفسه.. أصبح لا يخاف.. ألا أخاف؟.. لا يبدو مني الخوف، وأصبحت أخرج على رأس الرجال ويظل جدي في البيت، وأصبحت ذلك العتريس”، إلا أن المؤلف حاول في أثناء الحوار تبيان كيف نشأت هذه الشخصية وتكونت وتجبرت، ومع ذلك لديه جانب يتعارض مع تكوينه، وهو الحب الذي تحول إلى نوع من الامتلاك؛ فخرج عن طبيعته الحقيقية، وصارت هذه الشخصية لا تعترف بالمعاني الإنسانية والاختيارية، فما تريده ينفذ بلا نقاش ولا جدال، فهو الحاكم بأمره، صاحب الرؤية المتفردة الصحيحة الخارجة عن القانون والأخلاق والمنطق، صاحب الحق الأوحد، القادر على إنزال العقاب لمن يخالفه بلا رحمة ولا شفقة.
لكن في المقابل تظهر شخصية “فؤادة” وعلاقته به؛ فالحب الذي يحمله لها -كما يتصور- يكشف أن في داخل هذا الطاغية مساحة إنسانية خفية لم يستطع نفوذه القضاء عليها كلية، ومن هنا يظهر الصراع الداخلي بينه وبين نفسه؛ فهو يرى الحب ضعفًا، ولن يقع هو في هذا المأزق الذي يتنافى تماما مع مكانته، ولكنه يظل يمثل نقطة ضعف أو بقية من بقايا إنسان؛ فسلطانه مبسوط على القرية كاملة، فكيف لا يمتد هذا السلطان على “فؤادة”؟!
رابعًا: شخصية “فؤادة” المُقاومة
تقول عنها أمها: “لا أنسى يوم مولدها، أول مرة رأيتها. رأيت حبي الحافظ يتجسم أمامي فإذا هو حبي للحياة. هذه النظرات الذاهلة التي ملأت ما حولي أنسا وهداية رأيت في وجهها الله. ولم لا؟ أليست الإنسانية كلها ناشئة عن فؤادة؟ وهل هناك آية أعظم من الإنسان. لقد خلق الله الكثير وأنزل الأديان، ولكن آيته العظمى ما زالت هي الإنسان. سره الغامض وصرحه الضخم وبنيانه الذي لا يبلى. فهو باق في الدنيا وفي الآخرة لا ينتهي. كانت فؤادة حلوة كالأمل تحقق، كابتسامة خالدة على وجه الزمن”. هي من أكثر الشخصيات دلالة في الرواية؛ صاحبة المقاومة السلمية التي لا تملك سواها، فهي لا تعتمد على سلاح أو جاه أو مال أو منصب، وإنما تمتلك التعبير عن نفسها ورفضها الداخلي، وإعلان تمردها على الظلم والطغيان؛ ومن ثم فهي الوحيدة التي تواجه ولا تخشى “عتريس”، وتزيح هذا الخوف الذي تراه في أعين المحيطين بها؛ فهي الطبيعة النقية التي لم تتلوث، والضمير الحي الذي لم يفسد أو يتغير خاصة في وجود هذه الشخصية المسيطرة القاهرة، فهي (فؤادة) من قالت: “لا”، في وجه من قال: “نعم”. والزواج -في رأيها- قبول، وليس فرضا من الأب أو من أي شخص آخر.
خامسًا: الزواج الباطل ودلالة الشرعية
يبلغ الصراع ذروته في قضية زواج “عتريس” من “فؤادة”، هذا الزواج الباطل شرعا ودينا وعقلا ومنطقا، ولا يمكن لـ”عتريس” أن يفرضه بالقوة، ضد إرادة “فؤادة ” ورغبتها؛ فالزواج مبني في حقيقته على قبول الطرفين، والموافقة الكاملة، وموافقة الولي، وحضور شاهدي عدل، وإشهار؛ فـ”الزواج الشرعي الذي أراده الله يوم شرع الزواج هو الحب، الحب وحده الشريعة، ومراسم الزواج إعلان لهذه الشريعة… ألم يحتم الشرع رضاء الزوجة، وطلب الزوج…”. فأين هذا كله في هذا الزواج؟ وقد كان تفكير “عتريس” في البداية أن توافق وتقتنع: “لقد قال لي أبي يوما لكم أحب أن تتزوج من “الدهاشنة”… ولم تدهش أمي بل لعلها رحبت.. فأنا أستطيع إذن أن أتزوج من فؤادة، بل إنها في الواقع زوجتي بما بيننا من حب.. ولكني أحب أن أسألها… لماذا لا أهمس لها وتهمس لي.. لا.. هناك أهم من هذا.. هناك الشيء الأساسي في الحياة.. أريدها هي أن تختارني.. لا بالابتسامة ولا بالنظرة ولا بما أعلمه من أنها تحبني، ولكن يجب أن توافق على هذا الزواج موافقة صريحة لا شك فيها.. بإرادة حرة لا سلطان عليها فيها إلا ما تمليه خوالج نفسها هي.. ما تريده في البعيد البعيد من أعماقها دون أن يكون لرأي أبيها أو أمها دخل في ذلك.. لا أريدها أن تتزوجني لأن أباها يريدها أن تتزوجني.. إرادة خالصة بعيدة عن أي مؤثرات إلا رأيها.. أريد أن أنال موافقتها نابعة من مشاعرها هي وعقلها هي.. أريدها وحدها التي تقرر”. ثم حين يذهب لطلب الزواج من أبيها؛ فيقول مهددا ردًّا على كلام أبيها الذي أوضح لها أنه عليه العودة للحصول على رأي ابنته وموافقتها: “يظهر أنك لا تتبين الأمر على حقيقته.. أنا عتريس… أتفهم؟ وأطلب منك ابنتك فؤادة لأتزوجها.. أتريد أن أضع لك الأمر بصورة أخرى.. عتريس حين يريد لا بد أن يصل إلى ما يريد.. أنت عندك أرض.. وفي الأرض قطن الآن وأرز، وأحيانًا يكون في الأرض قمح… وعندك ساقية.. وعندك بهائم.. وعندك أيضًا -عند اللزوم- زوجتك…”. فالقوة قادرة على فرض الأمر الواقع، لكنها عاجزة عن تحويل الباطل إلى حق، مهما طال الزمان، فالباطل باطل وسيبقى باطلا. ومن هنا تظهر المقولة الشعبية الرمزية الراسخة في النفوس في كل اعتراض يماثل هذه الحالة: “زواج عتريس من فؤادة باطل”؛ التي تقر بما لا يدع مجالا للشك بأن ما بني على باطل فهو باطل، وسيظل فاقدا للشرعية مهما بلغت أدوات البطش والفتك والسيطرة، ومهما أوتي الظالم من قوة. وهذا ما واجهته به بعد إجبارها على الزواج؛ وهي تقول في غضب:
لسنا زوجا وزوجة.
صمت عتريس لحظات، ثم قال:
أكل هذا لأنني أرغمت أباك على أن يزوجني بك.. ألا يدل هذا على حبي.. لماذا كل هذا؟
كل ماذا؟
كل هذا النفور والغضب؟
أنا لم أنفر ولم أغضب
فما قولك إننا لسنا زوجين.
إننا لسنا زوجين.
والكتاب؟
باطل.
والشهود؟
مزورون.
هل أنت واعية ما تقولين؟
تمام الوعي.
ما الذي تعنين؟
أعني أنني لم أوكل أبي ليزوجني منك.
فكيف زوجني منك؟
والعقد؟
باطل.
والشهود.
خوف
فأنا لست زوجك؟
لا.. لست زوجي.
وتزويج أبيك؟
باطل.. يجب أن يتم الزواج بموافقتي، وأنا لم أوافق.
أرغمك على الموافقة.
لا تستطيع.
أقتلك
تستطيع، ولكنك لا تكون قد تزوجت مني.
أنا لك بالقوة.
لعلك تستطيع أيضا، ولكنك لا تكون قد تزوجت مني.
هراء.. هراء ما تقولين”.
سادسًا: البناء السردي والأسلوب
من الناحية الفنية، تتميز الرواية بتعدد الأصوات والاهتمام بالعالم الداخلي للشخصيات واستخدام المونولوج وتقنيات الأحلام وتنويع الضمائر والتركيز على الجوانب النفسية الكاشفة عن كثير من الحقائق، وإن لم تنطق صراحة. ومن ذلك بعد ظهور أن العقد باطل، حتى بعد أن قتل “عتريس” ابن الشيخ:
– “إذن فسأقول أنا.
ومضى الشيخ إبراهيم إلى دكان عبد الملاك؛ فاشترى إصبعًا من الطباشير، ومضى إلى حائط الجامع البني اللون الأملس، وكتب عليه في حروف ظاهرة قوية “زواج عتريس من فؤادة.. باطل.. باطل..”
وتجمع حوله -وهو يكتب- بعض نفر أخذ عددهم يزداد، وراحت الوجمة الآخذة تتجمد على وجوههم، وحين فرغ من الكتابة وقع باسمه إبراهيم علام…”.
وهذا الأسلوب المتبع في ثنايا الأحداث يجعل الرواية أقرب إلى تشريح اجتماعي ونفسي للمجتمع، وإن كانت الشخصيات الرئيسية محدودة، ومن اللافت للنظر أن المؤلف صنع على مدار الرواية امتدادا للشخصيتين الأساسيتين، وهو ما يظهر جوانب العمق والتأثير في الشخصية.
سابعًا: القيمة النقدية للرواية
تكمن القيمة الكبرى لـ”شيء من الخوف” في أنها لا تطرح الاستبداد بوصفه مشكلة فردية، وإنما تكشف مسؤولية المجتمع الذي يستسلم لهذا الخوف. فقوة “عتريس” جزء أساسي فيها “أهل الدهاشنة” الذين منحوه هذه الثقة وأوصلوه إلى هذا الغرور والجبروت، من خلال الخوف الشديد والصمت التام، ومن ثم الطاعة العمياء التي تحولت إلى عادة، والخوف الذي صار ثقافة، والصمت الذي أصبح وسيلة للنجاة والبقاء، حتى صار القارئ الحصيف يتوقع الأحداث، والصراع الدائر بين المستبد “عتريس” والمقاومة “فؤادة”.
إن رواية “شيء من الخوف” هي -في الحقيقة- تكشف عن آليات صناعة “الخوف”، ثم محاولة البحث عن أدوات هزيمته والقضاء عليه، وقد نجح المؤلف في تحويل “الحكاية القروية المحلية” إلى “نموذج إنساني عام”؛ إذ جعل “الدهاشنة” صورة مصغرة للمجتمع، و”عتريس” نموذجًا للسلطة حين تمارس القهر، و”فؤادة” نموذجًا للإنسان الذي يستعيد حريته بمجرد أن يقاوم صور “الخوف” وينظر إليه على أنه “شيء” هين وبسيط. ويمكنننا الوصول إلى نتيجة مهمة، تتثمل في أن الاستبداد لا يعيش بالقوة وحدها، وإنما يعيش بالخوف؛ فإذا انكسر حاجز الخوف، بدأت سلطة المستبد في الانهيار والضعف وتبادل الأماكن أحيانًا.
وفي الختام نعود إلى السؤال الشعبي المهم، والإجابة البليغة أيضا عليها: “يَا فَرْعُونْ ميِنْ فَرْعَنَكْ؟ قَالَ: مَا لَقِيتْشْ حَدِّ يرُدِّنِي”.
ولكل زمان “عتريس”، ولكل عتريس “فؤادة”، وسيبقى الصراع قائما بين الحق والباطل، وبين الخير والشر، ولكن لا بد للخير أن ينتصر مهما طال الزمان، ولا بد للباطل أن يزهق مهما طال الانتظار، وهو ما جسدته الرواية ببراعة شديدة؛ فاستحقت أن تبقى نموذجا حيًّا يحمل العبرة والعظة لأولي الألباب.









