منوعات

الشاعر حمدي فراج كوكب يكتب: الخروج من المدرسة بنفس حالة الدخول … رؤية معروف الرصافي

الشاعر العراقي الكبير معروف الرصافي (1875 – 1945م) كان أحد أهم المفكرين والناشطين في مجال التعليم والثقافة خلال فترة حياته، وكان لرؤيته الفريدة في التعليم تأثير عميق، حيث رأى: أن المخرجات التعليمية كانت بنفس عقلية المدخلات.

أي بمعنى آخر، إذا لم يتطور الطالب فكريًا ولم يكتسب مهارات جديدة، فما هي القيمة المضافة التي يقدمها هذا التعليم؟ فالمدارس تفتقر إلى الفاعلية الحقيقية، وأنها لا تؤدي الغرض منها في تطوير الفرد والمجتمع، فبدلًا من أن تكون هذه المدارس مصنعًا للعلماء والمفكرين، فإنها تخرج طلابًا لا يختلفون في شيء عن حالتهم قبل دخولها، أي أنهم لا يكتسبون أي إضافة معرفية أو مهارية تذكر.

يقول الشاعر العراقي الكبير معروف الرصافي: وأيّ نفع لمن يأتي مدارسكم … إن كان يخرج منها مثلما دخلا فهذا البيت الشعري يعكس انتقادًا واضحًا لنظام التعليم في ذلك الوقت، حيث يتساءل عن الفائدة الحقيقية من التعليم إذا كان الطالب يخرج من المدرسة بنفس المستوى من الجهل الذي دخل به.

وعندما نقول إن الطالب يخرج من المدرسة مثلما دخلها، فإننا نعني أنه لم يشهد تغيرًا كبيرًا فيما يتعلق بمعرفته، ومهاراته، أو نموه الشخصي، وهذا نتيجة لعدة عوامل، مثل:

  • التعليم الذي لا يلبي احتياجات الطلاب الفردية.
  • المناهج الدراسية القديمة التي لا تعكس الواقع اليومي.
  • وجود نظام تقييم غير فعال يفشل في تقييم التقدم الحقيقي للطالب.
    والشاعر هنا لا يسأل فقط عن الفائدة التي يجنيها الطالب من الذهاب إلى المدرسة، بل يتجاوز ذلك إلى التشكيك في جدوى التعليم نفسه في ظل هذه الأوضاع السائدة آنذاك.

فيقول: “إن كان يخرج منها مثلما دخلا”: وهذه الجملة توضح الإجابة الضمنية على سؤال الشاعر: أيّ نفع لمن يأتي مدارسكم؟ فإذا كان الطالب يخرج من المدرسة بنفس حالته التي دخل بها، أي: بلا أي تغيير أو تطوير، فإن ذلك يعني أن المدرسة لم تقدم له أي قيمة مضافة.

وهذا البيت الشعري يعكس رؤية الرصافي الناقدة للتعليم التقليدي الذي يكتفي بتلقين المعلومات دون أن ينمي قدرات التفكير النقدي والإبداعي لدى الطلاب، والرصافي يؤمن بأن التعليم الحقيقي يجب أن يكون وسيلة لتحرير العقل وتطوير المهارات، وليس مجرد وسيلة لحفظ المعلومات وتكرارها، لذلك يدعو إلى إصلاح النظام التعليمي وجعله أكثر فعالية في تحقيق التنمية الفكرية والاجتماعية.

ولمعالجة هذه التحديات، هناك عدة حلول ممكنة يمكن تطبيقها في المدارس:
أولًا- من الضروري تحسين المناهج الدراسية لتعكس التغيرات التي طرأت على العالم.

وهذا يعني تضمين مواضيع جديدة مثل التكنولوجيا، والاقتصاد المعرفي، وحتى القيم الاجتماعية والثقافية.

ثانيًا- يجب التركيز على التعليم الشامل، والذي من خلاله يتم تلبية احتياجات كل طالب بشكل فردي.

وهذا يمكن أن يتم من خلال تطبيق أساليب تعليمية مختلفة تلائم أنماط تعلم الطلاب المختلفة، ومن خلال توفير موارد كافية للمدرسين ليتمكنوا من تقديم تعليم عالي الجودة.

ثالثًا- يجب دمج التكنولوجيا بشكل فعال في التعليم. وهذا لا يعني فقط توفير الأجهزة التكنولوجية، ولكن أيضًا تدريب المدرسين على كيفية استخدامها بشكل فعال في الفصول الدراسية.

فالهدف من التعليم هو تحقيق تغيير إيجابي في حياة الطالب، وجعله قادرًا على مواجهة التحديات التي تواجهه في العالم اليوم، وإذا كان الطالب يخرج من المدرسة مثلما دخلها، فهذا يعني أننا لم نكمل مهمتنا بشكل صحيح.

ففي زمننا هذا تتسارع وتيرة التطور بشكل مذهل، وتتوالى الاكتشافات العلمية بوتيرة غير مسبوقة، ومع ذلك نجد أن المؤسسة التعليمية، تواجه تحديات جسام تهدد كيانها ودورها في المجتمع.

فبدلًا من أن تكون المدرسة حاضنة للفكر والإبداع، ومصنعًا للأجيال القادرة على مواجهة تحديات المستقبل، أصبحت في كثير من الأحيان نمطية فكرية جامدة، لا تسمح لهم بالنمو والتطور.

وإن الشاعر معروف الرصافي، بعمق بصيرته وصدق شعوره، قد لامس هذا الإشكال في قصيدته الشهيرة، حين تساءل: “وأي نفع لمن يأتي مدارسكم… إن كان يخرج منها مثلما دخلا؟”.

فهذا السؤال، الذي طرحه الشاعر قبل عقود، لا يزال يرن في أذهاننا، ويطرح تحليلات جوهرية حول طبيعة التعليم الذي نقدمه لأبنائنا.

فنمطية التركيز المفرط على الحفظ والتلقين، وعدم تشجيع التفكير النقدي والإبداع، وتحفيز الطلاب على طرح الأسئلة والاستفسار، وحثهم فقط على حفظ المعلومات دون فهمها أو تطبيقها، وحثهم على طمس عين الدائرة لاجتياز الامتحان؛ جعل المناهج الدراسية جامدة وغير مرنة، ولا تتلاءم مع متطلبات العصر ومتغيرات المجتمع.

وإن النتيجة الحتمية لهذا النهج التعليمي التقليدي، هو خروج أجيال من الطلاب لا تمتلك القدرة على التفكير، ولا تملك المهارات اللازمة للنجاح في عالم العمل، فبدلًا من أن يكونوا قادة المستقبل، يصبحون مجرد أداة فاشلة تؤدي إلى فشل ما يقومون به مستقبلًا، بل وفشلهم هم أنفسهم في حياتهم العملية والعلمية.

إننا بحاجة إلى إعادة النظر وتحويل المدرسة من مكان للحفظ والتلقين إلى بيئة محفزة للإبداع والابتكار، يجب أن نركز على تطوير مهارات التفكير النقدي وحل المشكلات لدى الطلاب، وأن نشجعهم على الاستكشاف والاكتشاف، كما يجب أن نوفر لهم بيئة تعليمية محفزة ومشجعة، تساعدهم على تحقيق أقصى إمكاناتهم.

إن الأمر يتطلب تضافر جهود جميع الأطراف المعنية، بدءًا من صناع القرار وصولًا إلى المعلمين والطلاب وأولياء الأمور، فجميعنا مسئولون عن بناء جيل جديد من المفكرين والمبدعين، قادر على قيادة مجتمعنا نحو مستقبل أفضل.

فيجب العودة إلى المدرسة لأنها هي الورشة التي تشكل عقول الأجيال القادمة، وهي الاستثمار الأهم الذي يمكن أن تقدمه أي أمة، ولذلك، فإن علينا أن نعمل جاهدين لضمان أن تكون هذه الورشة مجهزة بأحدث الأدوات، وأن تكون قادرة على إنتاج أجيال من الخريجين القادرين على مواجهة تحديات المستقبل، وتحقيق طموحات أمتهم.

ويبقى السؤال الأساسي الذي يطرحه معروف الرصافي ذو صلة بالتعليم في أي عصر: ما هي القيمة المضافة التي يقدمها التعليم؟ إذا كان الطالب يخرج من المدرسة
بنفس حالته التي دخل بها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى