إلى لقاء قريب يا بيت الله الحرام
ما أصعب أن يأتي يوم الرحيل عن مكة! وهو ما كنت أخشاه منذ ذقت لذة العبادة في بيت الله الحرام، بعد أن تعلّق القلب بمكانٍ لم يكن يومًا مجرد مكان، بل كان وطنًا للروح، وراحةً للنفس، وملاذًا للقلوب المتعبة، وشفاء لأمراض القلوب وثقل الحياة وتقلباتها.
ها هو يوم انتهاء أيام العمرة قد جاء… اليوم الذي كنا نخشاه منذ اللحظة الأولى التي وطئت فيها أقدامنا هذه الأرض المباركة الطيبة. كنا نعلم أن لكل لقاءٍ نهاية، لكننا لم نتخيل أن يكون الوداع بهذه القسوة والقوة والألم، وأن يكون الفراق أثقل على القلب من كل الكلمات التي لا يمكن أن تعبر عن ما بداخلي من شوق مقرون بحزن، يا رب بعد أن ذقنا نغادر، بعد أن تمتعنا نعود إلى حياتنا السابقة، يا الله كيف يتحمل القلب كل هذا.
يا بيت الله الحرام… يا كعبة الله، يا قبلة القلوب، وقبلة المسلمين، ومهوى الأفئدة، كيف نغادرك، والروح ما زالت معلقة بأستارك، والعين لا تزال تبحث عنك كلما أغمضت أجفانها؟ آه من هذه اللحظات التي ينخلع فيها القلب من مكانه.
كيف نودّع المسجد الحرام، وقد كانت لنا فيه لحظات لا تشبه أي لحظات عشناها من قبل؟ لحظات عبادة وأمن وطمأنينة وسكينة…إلخ
هنا وقفنا بين يدي الله المريم، وهنا رفعنا أكفنا، وهنا ذرفت أعيننا دون أن نشعر، وهنا دعونا بما أخفينا في صدورنا سنوات طويلة، وهنا شعرنا أن الدنيا بكل ما فيها أصبحت صغيرة، وأن القرب من الله الحنان المنان هو أعظم ما يمكن أن يملكه الإنسان طوال عمره.
يا رب… إن كان هذا يوم الرحيل، فلا تجعله يوم انقطاع، وإن كان هذا وداعًا، فلا تجعله آخر العهد ببيتك الحرام الذي تعلقنا به.
اللهم إن قلوبنا لا تريد الرحيل، وأنتم أعلم بها، وأقدامنا مضطرة أن تغادر، فأجبر قلوبنا بلقاءٍ قريب عاجل غير آجل، واكتب لنا عودةً لا تتأخر، وعمرةً أخرى تملأ أرواحنا سكينة، وحجا لبيتك الحرام بفضلك وكرمك، وسجدةً أخرى عند بيتك الحرام نبكي فيها من شدة الفرح، كما بكينا اليوم من شدة الوداع.
اللهم لا تجعل آخر عهدنا بالكعبة نظرةً عابرة، ولا تجعل آخر دعائنا عندها دعاء الراحلين، بل ارزقنا العودة إليها مراتٍ ومرات، في صحةٍ وعافية، وأمنٍ وإيمان، واجعل لنا عندها نصيبًا من الطواف والسعي وتقبيل الحجر الأسود والسجود والدعاء والبكاء بين يديك.
يا كعبة الله… سنرحل عنك بأجسادنا، لكن شيئًا منا سيبقى هنا، سيبقى قلبٌ تركناه بين جنبات المسجد الحرام، وستبقى دمعةٌ سقطت في رحابه، ودعوةٌ صعدت إلى السماء، وذكرى لن تستطيع الأيام أن تمحوها.
سنغادر مكة، لكن مكة لن تغادرنا أبدا، وكيف تغادرنا وقد علمنا الحقيقة، ووجدنا الراحة والنعيم.
سنعود إلى بيوتنا، إلى أعمالنا، إلى تفاصيل الحياة التي تركناها خلفنا، وأنتم أعلم بتفاصيلها ومشاقها، لكننا سنحمل معنا شيئًا لا يُشترى ولا يوصف… سنحمل شعورًا بأننا كنا يومًا ضيوفًا على الرحمن، وأنت أرحم الراحمين، وأنك بفضلك أكرمتنا بأن وقفنا أمام بيتك، وطُفنا حول كعبتك، وسعينا بين الصفا والمروة، ورفعنا أيدينا إليك بكل ما في قلوبنا.
يا رب، لقد جئناك بقلوبٍ أثقلتها الحياة، فخففت عنا.
جئناك بذنوبٍ نرجو مغفرتها، فاغفر لنا، ولا تردنا منها بشيء يا رب يا كريم.
جئناك بأمنياتٍ لا يعلمها إلا أنت، فحقق لنا منها ما فيه خيرنا، وما فيه صلاحنا، وما فيه ما يرضيك عنا.
وجئناك برجاءٍ كبير، فلا تردنا خائبين يا رب يا كريم.
اللهم تقبل عمرتنا، وتقبل طوافنا وسعينا وصلاتنا ودعاءنا، واغفر تقصيرنا، واستر عيوبنا، وارحم ضعفنا، واكتب لنا أجر كل خطوةٍ خطوناها إلى بيتك، وكل دمعةٍ ذرفناها من خشيتك، وكل دعوةٍ خرجت من أعماق قلوبنا.
اللهم اجعل هذه العمرة بدايةً لا نهاية، وبداية عهدٍ جديد معك، لا مجرد أيامٍ جميلة مضت وانتهت. أصلح قلوبنا يا الله بعد أن عدنا، وثبّتنا على طاعتك، ولا تجعل أثر هذه الأيام المباركة يزول بمجرد أن نغادر مكة.
يا رب، إننا نودع مكانًا أحببناه، فاجعل حبنا له سببًا في زيادة حبنا لك. وإن كنا سنشتاق إلى الكعبة، فلا تحرمنا لذة الشوق إليك، ولا تحرمنا القرب منك في كل مكان يا الله.
اللهم ونحن نغادر مكة، اكتب لنا في كل طريقٍ نسلكه حفظًا، وفي كل خطوةٍ توفيقًا، وفي كل يومٍ قادم بركة، واجعلنا من الذين إذا عادوا من بيتك عادوا بقلوبٍ جديدة، ونفوسٍ أنقى، وأرواحٍ أقرب إليك، عادوا إلى كل ما يرضيك عنا، ويقربنا منك دائما أبدا.
اللهم لا تجعلها آخر مرة نرى فيها الكعبة، ولا آخر مرة تطأ فيها أقدامنا المسجد الحرام.
اللهم ارزقنا العودة قريبًا، ثم العودة بعد العودة، حتى يكون آخر عهدنا بالدنيا ونحن في رحابك، أو مشتاقون إلى رحابك.
وإن كان لنا عند الكعبة دعاءٌ لم نذكره، فأنت تعلمه. وإن كانت في صدورنا أمنيةٌ لم نستطع التعبير عنها، فأنت أعلم بها منا. وإن كانت لنا ذنوبٌ لم نذكرها، فاغفرها لنا بكرمك وجودك يا الله. وإن كانت لنا حاجاتٌ أخفيناها عن الناس، فلا تخفَ عليك يا الله يا الله.
سنغادر اليوم، وقلوبنا تقول: إلى لقاء قريب بإذن الله.
اللهم لا تطل علينا الغياب، ولا تحرمنا زيارة بيتك الحرام، ولا تحرم أعيننا من رؤية الكعبة مرات ومرات بفضلك يا أكرم الأكرمين.
يا رب… نودّع مكة والدمع في أعيننا، والرجاء في قلوبنا، واليقين بك يملأ أرواحنا.
اللهم إن كان هذا وداعنا اليوم، فاجعله وداعًا مؤقتًا، واكتب لنا عودةً قريبة قريبة، أجمل من الأولى، وأطول من الأولى، وأقرب إلى قلوبنا من كل مرة جئناك فيها.
اللهم كما أكرمتنا بالوصول، فأكرمنا بالعودة يا الله.
وكما دعوتنا إلى بيتك مرة من غير لا حول ولا قوة منا، فلا تحرمنا من دعوتك مرات.
وكما جعلتنا من زوار حرمك اليوم، فاكتب لنا أن نكون من زواره ما حيينا يا رب العالمين.
وداعًا يا مكة… وداعًا يا بيت الله… وداعًا يا كعبة القلوب.
سنرحل، لكن قلوبنا لن ترحل.
سنغيب، لكن الدعاء سيبقى.
وسيبقى الأمل معلقًا بباب الرحمن الكريم:
اللهم لا تجعلها آخر العهد ببيتك الحرام… واكتب لنا لقاءً قريبًا، يا رب العالمين. اللهم آمين آمين…آمين.









