يبدأ الشعور بالقلق عندما يكون هناك أمر يتعلق بالمستقبل، سواء كان ارتباطًا عاطفيًا، أو مقابلة عمل، أو مشروعًا جديدًا، أو امتحانًا، أو اجتماعًا مرتقبًا.
في هذه المواقف يبدأ العقل البشري في رسم سيناريوهات مختلفة، قد تكون إيجابية أو سلبية، حول ما يمكن أن يحدث، وهو ما قد يؤثر على نشاط الفرد اليومي وأدائه لمهامه ومتطلباته الحياتية، كما يلاحظ المحيطون به حجم الانشغال الفكري المرتبط بما ينتظره في المستقبل.
وأؤكد دائمًا أن العامل الزمني يمثل معيارًا مهمًا في تقييم القلق. فعلى سبيل المثال، من الطبيعي أن يشعر طالب الثانوية العامة بالقلق قبل الامتحان، وينتهي هذا القلق بمجرد الانتهاء من الامتحان وتسليم ورقة الإجابة. وهكذا تكون مظاهر القلق الطبيعي، حيث ينتهي الشعور بالضغط والتوتر بمجرد انتهاء المثير أو الموقف المرتبط به.
أما القلق المرضي فيبدأ عندما يترسخ لدى الشخص اعتقاد بأن الأحداث الكارثية هي وحدها التي ستحدث. ويصاحب ذلك ظهور ما يسمى بالسلوكيات الآمنة، التي يلجأ إليها الفرد اعتقادًا منه بأنها ستحميه من الخطر المتوقع. فقد يتجنب استخدام وسائل المواصلات خوفًا من التعرض لحادث، أو يبالغ في انفعالاته عند زيادة سرعة السيارة، أو يتحدث باستمرار عن الموت والكوارث المحتملة، ويتجنب العلاقات الاجتماعية والأسرية.
وعندما يصبح الشخص منشغلًا بهذه المخاوف ليلًا ونهارًا، وتؤثر أفكاره وسلوكياته على نشاطه وطاقته وعلاقاته، فإن الأمر يستدعي التدخل النفسي ولا يمكن تجاهله.
وفي كثير من الحالات، يعاني هؤلاء الأشخاص من ضعف البصيرة، فلا يدركون حجم الضرر الناتج عن معتقداتهم وسلوكياتهم، بل يعتقدون أنهم يحمون أنفسهم بطريقتهم الخاصة، أو أنهم يرون ما لا يراه الآخرون، أو أنهم ليسوا بحاجة إلى العلاج النفسي. وبينما يرون أنهم يسيطرون على الأمور، تكون الخسائر الصحية والنفسية والاجتماعية والمادية واضحة للمحيطين بهم من الأهل والأصدقاء وزملاء الدراسة أو العمل.
ومن الضروري التفرقة بين التوتر والقلق؛ فالتوتر ينتج عن ضغط مباشر ومؤقت وينتهي بانتهاء سببه، بينما القلق استجابة داخلية قد تستمر حتى في غياب أي تهديد حقيقي. ومن أبرز أعراضه الشعور المستمر بالعصبية والهلع، وضعف التركيز، والإرهاق الشديد، إلى جانب أعراض جسدية مثل سرعة ضربات القلب واتساع حدقة العين واضطرابات الجهاز الهضمي.
كما أن كثيرًا من مرضى القلق يهملون صحتهم الجسدية، ومع ارتفاع حدة القلق تتدهور حالتهم الصحية بشكل ملحوظ. لذلك، عندما يلاحظ الأهل اضطرابات النوم، أو تدهور العلاقات الاجتماعية، أو اللجوء إلى المواد المخدرة للتخفيف من القلق، فإن التواصل مع المتخصصين النفسيين يصبح ضرورة مهمة للتدخل المبكر ومنع تفاقم المشكلة، خاصة أن بعض الأشخاص قد لا يمتلكون القدرة الكافية على اتخاذ القرار المناسب أو التحكم في حالتهم النفسية بمفردهم.









