جابر عصفور وتحديات الترجمة
مقاربة ثقافية مستقبلية (1)
لا يستطيع أي إنسان أن ينكر الدور الذي تؤديه الترجمة في حياتنا اليومية، فهي -بحق- واحدة من أهم وسائل التواصل بين الشعوب والثقافات، وهي -في الوقت ذاته- الجسر الذي يربط بين اللغات المختلفة وينقل الأفكار والمعارف والخبرات الإنسانية من أمة إلى أخرى. ومنذ القدم لعبت الترجمة دورًا محوريًّا في تطور الحضارات؛ إذ أسهمت في نقل العلوم والفلسفات والآداب، وكانت سببًا في ازدهار كثير من الأمم، ورفعها من القاع إلى القمة. وفي العصر الحديث ازدادت أهمية الترجمة بصورة كبيرة نتيجة التطور التكنولوجي والانفتاح العالمي اللا محدود؛ حيث أصبح العالم أشبه بقرية صغيرة تتداخل فيها الثقافات والمصالح والعلوم تداخلا يصعب فصله أو تجاهله. ومع هذا التطور ظهرت تحديات جديدة جعلت مهمة المترجم المتمكن من أدواته، الواعي بدوره الحقيقي، العليم بمكنونات النصوص، أكثر تعقيدًا من أي وقت مضى.
وتتمثل أهمية الترجمة في أنها وسيلة لنقل المعرفة الإنسانية على اختلاف ضروبها، دون إهمال مجال على حساب آخر؛ فالكثير -على سبيل المثال- من الكتب العلمية والأبحاث والدراسات تُكتب بلغات مختلفة، ومن دون الترجمة يصعب على الشعوب الاستفادة منها، أو البقاء في حقل من الحقول التي وصل إليها الآخرون وحققوا فيها نجاحات كبيرة، كما أن الترجمة تسهم في تعزيز الحوار الثقافي والتفاهم بين الأمم؛ إذ تساعد الناس على التعرف إلى عادات وثقافات الآخرين؛ مما يقلل من التعصب والانغلاق، كذلك تؤدي الترجمة دورًا اقتصاديًّا مهمًّا، فهي ضرورية في مجالات الطب والهندسة والتجارة والاستثمار والعلاقات الدبلوماسي والصناعة…إلخ.
ومع دخول العالم عصر التكنولوجيا الرقمية، شهد مجال الترجمة تطورًا هائلًا؛ فقد ظهرت برامج الترجمة الإلكترونية وتقنيات الذكاء الاصطناعي التي أصبحت قادرة على ترجمة النصوص بسرعة كبيرة. ومن أشهر هذه التقنيات تطبيقات الترجمة الفورية التي يستخدمها ملايين الأشخاص يوميًّا، وقد ساعدت هذه الوسائل في تسهيل التواصل بين البشر، خاصة في مجالات التعليم والعمل والسفر والثقافة والعلاج، إلا أن الاعتماد الكبير على التكنولوجيا خلق تحديات عديدة، أهمها مسألة الدقة اللغوية وفهم السياق الثقافي للنصوص.
أهداف إنشاء المركز القومي للترجمة
الترجمة مشروع ثقافي بارز حمله الدكتور الناقد المفكر جابر عصفور -وكل آمن بأهمية هذا المشروع- إلى الدوائر العامة عبر تأسيس وتوسيع كيانات مخصّصة لنشر المعرفة، وفي مقدمتها المركز القومي للترجمة الذي أصبح مرجعية وطنية لمشروعات الترجمة ونشر الآداب والمعارف الأجنبية إلى العربية. لقد حول عصفور الفكرة إلى واقع مؤسسي: جمع فرقًا من المترجمين والنقاد والمحرّرين، وأنشأ آليات اختيار ومراجعة تضمن جودة النّص المترجم، كما ربط العمل المترجم بسياسات ثقافية واضحة تهدف إلى إثراء المكتبة العربية وإشاعة ثقافة النقد والحوار بين الحضارات. بهذه الرؤية صار للمركز -في عهده- دور مركزي في توجيه أولويات الترجمة، من اختيار النصوص الكلاسيكية والمعاصرة إلى دعم عناوين في الفلسفة والعلوم الاجتماعية والفنون، وهو ما مهد الطريق لتحوّل الترجمة من نشاط هامشي إلى مشروع ثقافي مؤسسي وطني، ولعل هذا يظهر جليا في أهداف إنشاء المركز القومي للترجمة، قرار رئيس الجمهورية رقم (26) لعام (2007):
۱ – الارتقاء بأوضاع الترجمة على المستوى القومي.
۲ – تنمية حركة الترجمة عن طريق تدريب المترجمين وتطوير قدراتهم وتكوين أجيال جديدة.
3- فتح نوافذ المعرفة أمام القارئ العربي في كل مجالاتها ولغاتها.
4- تحقيق التوازن المطلوب بين فروع المعرفة والارتقاء بالوعي العلمي وتطوره بوجه عام، ودعم حركة البحث العلمي بفروعه المختلفة بوجه خاص.
5- تكوين شبكة من العلاقات القومية مع المؤسسات الدولية التي يمكن أن تدعم آليات الترجمة ماديًّا ومعنويًّا.
6- سد الثغرات المعرفية الموجودة في ثقافتنا المعاصرة، ومواكبة التصاعد المستمر ثورة المعرفة
7- التعاون مع مؤسسات وزارة الثقافة والناشرين في القطاع الخاص في مصر الأقطار العربية بما يحقق الارتفاع العام في معدلات إنتاج الكتاب المترجم بوجه عام.
8- تأكيد ريادة مصر في عمليات الترجمة، والحفاظ على مكانتها ودورها
۹ – تقديم خدمات الترجمة بالأجر للغير من الأشخاص والهيئات المحلية والدولية.
تحديات الترجمة والذكاء الاصطناعي
أما إذا انتقلنا إلى أبرز تحديات الترجمة في العصر الحديث، وهذا ما كان ماثلا في ذهن الدكتور جابر عصفور وفكره؛ فنذكر منها: أولا: مشكلة الترجمة الحرفية. فبعض البرامج الإلكترونية تترجم الكلمات دون فهم المعنى الحقيقي للجملة؛ مما يؤدي أحيانًا إلى أخطاء كبيرة وترجمة غريبة قد تغيّر المعنى المقصود تمامًا؛ فاللغة ليست مجرد كلمات صماء جافة، بل هي ثقافة وتاريخ وتعبيرات مجازية وعادات اجتماعية؛ ولذلك يحتاج المترجم إلى فهم عميق للغتين والثقافتين معًا حتى يتمكن من نقل المعنى بصورة صحيحة.
ثانيا: سرعة تطور المصطلحات العلمية والتقنية؛ ففي كل يوم تظهر كلمات جديدة مرتبطة بالتكنولوجيا والطب والهندسة والاقتصاد، ويجد المترجم نفسه مطالبًا بمواكبة هذه التطورات المستمرة، وقد يؤدي غياب المصطلحات الموحدة إلى اختلاف الترجمات بين دولة وأخرى؛ مما يسبب نوعًا من الارتباك لدى القراء والمتخصصين.
ثالثا: تواجه الترجمة تحديًا ثقافيًّا مهمًّا يتمثل في اختلاف العادات والتقاليد بين الشعوب؛ فهناك بعض التعبيرات التي تحمل معاني خاصة في ثقافة معينة ولا يمكن ترجمتها حرفيًا إلى لغة أخرى؛ لذلك يحتاج المترجم إلى قدر من الإبداع والمرونة ليجد التعبير المناسب الذي ينقل الفكرة ويحافظ في الوقت نفسه على روح النص الأصلي، وتزداد هذه الصعوبة في ترجمة الأعمال الأدبية؛ مثل الروايات والشعر؛ حيث تعتمد اللغة على الصور البلاغية والمشاعر والإيقاع الفني.
رابعا: من القضايا المعاصرة التي أثرت في الترجمة قضية العولمة؛ فالعالم اليوم يشهد تداخلًا ثقافيًّا واسعًا، وأصبحت اللغة الإنجليزية مهيمنة في كثير من المجالات العلمية والاقتصادية، وهذا الوضع يفرض تحديًا على اللغات الأخرى، ومنها اللغة العربية، التي تحتاج إلى جهود كبيرة للحفاظ على مكانتها وتطوير معاجمها ومصطلحاتها الحديثة؛ فالترجمة لا تعني فقط نقل النصوص فحسب، بل تعني أيضًا حماية الهوية الثقافية واللغوية للشعوب، وهو دور مهم وبالغ الأهمية.
الترجمة قضية فكرية
وإذا ما انتقلنا إلى الرؤية الكلية الشاملة للدكتور جابر عصفور التي تبناها، وعلى أساسها قام بداية بإنشاء المشروع القومي للترجمة، ثم إنشاء المركز القومي للترجمة أنه يرى -وهو ما ذكره في العديد من اللقاءات والحوارات- أن “الترجمة قضية فكرية، الترجمة قضية تقدم، وكل الأمم المتخلفة تبدأ من الترجمة، وعادة ما تبدأ النهضات فيها بالترجمة، وتاريخيا في مصر كان أول أعمال محمد عبده ورجاله الأول إنشاء مدرسة الألسن لترجمة المعارف الخاصة بالدول المتقدمة وكانت هذه هي الدرجة الأولى التي صعدت عليها مصر في طريق التقدم، الآن أصبحت الترجمة محل منافسة بين الدول الكبري، إسبانيا أو الولايات المتحدة أو اليابان أو الصين في سرعة الترجمة. الكتاب يطبع بأكثر من لغة في وقت واحد. وإسبانيا وحدها مثلا تترجم ضعف ما يترجمه العالم العربي عشر مرات!
ثم يستطرد قائلا: “عندما أسست المركز كانت هناك قواعد حاكمة، أولا الخروج من إطار المركزية الأمريكية الأوروبية؛ فالتقدم لم يعد محصورا فيها، الآن هناك نصف العالم الآسيوي الجديد ينافس في التقدم، لقد تركت المركز، وهناك 35 لغة يترجم عنها، عقدنا اتفاقات مع الكوريين وعلى نفقتهم، وترجمنا نحو 6 كتب واهتممنا بالتجربة الماليزية، مهاتير محمد خصص أكبر جزء من ميزانية البلد للتعليم. ومهما ترجمنا سيكون جهدا ناقصا لأنه ليس سوى قطرة فيما حققه العالم ويحققه، خاصة اننا انتقلنا من عصر الصناعة إلى عصر المعلومات، ونحن مع الأسف لم ندخل هذا العالم بعد”.
ويشير الدكتور ثائر ديب إلى أن “الترجمة كانت جزءًا من مشروع جابر عصفور الثقافي المتكامل؛ فقد قدم مشروعه القومي للترجمة بمقالة شهيرة “نحو مشروع قومي للترجمة”، مثلما قدم طه حسين مشروعه في كتاب “مستقبل الثقافة في مصر.” وقد تمثل عصفور سلفه طه حسين وكذلك الطهطاوي، بمشروعيهما، محاولًا إقامة منظومة شاملة متكئة على مشروع الترجمة، وقد اختلف مشروع عصفور لأنه دعا إلى سياق الاستقلال الثقافي والسياسي، مؤكدًا أن عصفور قد تحرر من أسر الهيمنة الإنجليزية والفرنسية، وبدأ التوسع في اللغات التي ترجم منها”.
الترجمة والمهنية
وهناك مشكلات تتعلق ببعض المترجمين، ومنها أنهم يعانون من ضعف التقدير المهني رغم أهمية دورهم؛ فكثير من المؤسسات تبحث عن السرعة والتكلفة المنخفضة أكثر من الجودة؛ مما يؤثر في مستوى الترجمة المقدمة. وفي بعض الأحيان يتم الاعتماد على مترجمين غير متخصصين، فتظهر نصوص مملوءة بالأخطاء اللغوية والمعرفية والثقافية؛ ولهذا أصبح من الضروري الاهتمام بتدريب المترجمين وتأهيلهم علميًّا وثقافيًّا، بالإضافة إلى تطوير مهاراتهم التقنية حتى يتمكنوا من استخدام أدوات العصر الحديثة بكفاء، وكانت هناك ورش عمل تعقد في ترجمة الكتاب الواحد من فريق من المترجمين وقائد لهذا الفريق، ليتها تعود حتى نتمكن من إعداد جيل محترف من المترجمين الجدد.
ورغم كل هذه التحديات، فإن الترجمة ستظل ضرورة لا غنى عنها في حياة الإنسان المعاصر؛ فالعالم يتجه نحو مزيد من التواصل والانفتاح، ولن يتحقق ذلك إلا بوجود ترجمة دقيقة وفعالة، كما أن الذكاء الاصطناعي، على الرغم من تطوره الكبير، لا يستطيع أن يحل محل المترجم البشري بشكل كامل، لأن الإنسان يمتلك القدرة على فهم المشاعر والسياقات الثقافية والدلالات العميقة للنصوص.
وفي المستقبل من المتوقع أن يشهد مجال الترجمة مزيدًا من التطور بفضل التكنولوجيا الحديثة، لكن هذا التطور يجب أن يكون داعمًا للمترجم لا بديلًا عنه؛ فالتقنيات الحديثة يمكن أن تساعد في توفير الوقت وتسريع العمل، بينما يبقى العنصر البشري مسؤولًا عن ضمان جودة المعنى ودقته. ومن المهم أيضًا أن تهتم المؤسسات التعليمية بتعليم اللغات الأجنبية وتعزيز ثقافة الترجمة لدى الشباب؛ لأن الترجمة أصبحت من المهارات الأساسية في عصر المعرفة.
وأخيرا، فإنه يمكن القول إن الترجمة تُعدّ أداة أساسية لبناء الحضارات وتقريب الشعوب، وقد ازدادت أهميتها في عصر العولمة والتكنولوجيا. ورغم ما تواجهه من تحديات تتعلق بالتكنولوجيا والثقافة والمصطلحات الحديثة، فإنها ستظل وسيلة فعالة لنقل الفكر والمعرفة؛ ولذلك ينبغي دعم المترجمين وتطوير مهاراتهم، مع الاستفادة من التقنيات الحديثة بطريقة متوازنة تضمن الحفاظ على جودة الترجمة ودقتها، حتى تستمر في أداء رسالتها الإنسانية والثقافية العظيمة. (وللحديث بقية)









