د.أيمن صابر سعيد يكتب: بين الزمن والوهم: قراءة في رواية “حضرة المحترم” لنجيب محفوظ

بين الزمن والوهم: قراءة في رواية “حضرة المحترم” لنجيب محفوظ
رواية حضرة المحترم هي إحدى روايات الأديب المصري نجيب محفوظ، صدرت عام 1975، وهي من الروايات القصيرة نسبيًا مقارنة بما أبدعه في مسيرته، لكنها عميقة من حيث الفكرة والدلالة الرمزية.
تدور أحداثها حول شخصية عثمان بيومي، الموظف الطموح الذي يعمل في إحدى إدارات الدولة، ويجعل من هدف حياته الوحيد الوصول إلى منصب المدير العام- ذلك المنصب الذي يراه قمة المجد والشرف والراحة، بل إنه ينظر إلى هذه الدرجة الوظيفية بصورة من الخيال والوهم على أنها معادل للخلود أو الكمال.
أما عن شخصية عثمان بيومي، فإنه يتسم بالانضباط الشديد، والزهد في المتع الدنيوية (المال، والنساء، والصداقة)، بل إنه يعزف عن الزواج؛ إذ يرى أن كل هذه الأمور قد تعرقله عن الوصول إلى منصبه الوظيفي المنشود.
ولذا فهو يمر في رحلته من الهبوط إلى الصعود بأحداث كثيرة فرعية، ولا يتوقف عندها، وبمرور الزمن وكر السنوات، يترقى درجة بعد درجة، ملتزمًا بدقة لا مثيل لها في عمله، متجاهلاً كل ما عدا هدفه.
وفي النهاية، وبعد أن يصل أخيرًا إلى حلمه كـ “حضرة المحترم”، يكتشف أنه بلغ غايته متأخرًا جدًا، وقد شاخ وانتهت حياته تقريبًا، فلا يجد متعة ولا معنى فيما أفنى عمره من أجله، وهو يصل إلى حكمة جلية من خلال الحقائق التي يكتسبها كل يوم ومع كل تجربة، ويمكننا أن نصل من خلال شخصية بطل روايتنا أنه ضاع عمره وهو يطارد المجد، فلما أمسك به اكتشف أنه قبض على وهم… وخسر الحياة، فقد باع حياته مقابل “لقب”،فعاش وهم المجد وعانى من مأساة العمر الضائع، وجعل من المنصب والترقية مجدا زائفا، وسار في درب البيروقراطية الوظيفية لتحقيق هدفه الوحيد؛ وعاش فسلسفة التضحية الكاذبة؛ فقد صنع لنفسه عالما مزج فيه الباقي بلفاني، والثمين بالغث.
دلالات الرواية:
الرواية لا يمكن اختزالها في أفق ضيق؛ إذ إنها تحمل بعدًا رمزيًا عميقًا: فـ”حضرة المحترم” ليس مجرد منصب وظيفي فحسب، بل هو رمز للوهم الإنساني، حين يختزل الإنسان حياته كلها في هدف واحد مادي أو شكلي متخيل، ويكتشف بعد فوات الأوان أنه لم يعش حياته كما يجب أن تكون، فضحى بما هو كائن رغبة في الوصول إلى ما يمكن أن يكون، ومن ثم باع الحاضر على حساب تحقيق هدف مستقبلي، “حلمي هو أن أصبح المدير العام، ولا حلم لي سواه… حياتي كلها مرهونة بهذا الهدف”. وهي لا تمثل حالة فردية، وإنما تعبر عن نقد نجيب محفوظ للبيروقراطية المصرية ولأحلام الطبقة الوسطى، وكذلك تأمله في فكرة الزمن والفناء، التي تتكرر كثيرًا في أعماله، بل إنها محور ثابت في كتابته الإبداعية، ومن ثم فهي تجسيد لمأساة الإنسان المعاصر، الذي يختزل حياته في جمع المال، أو الوصول إلى منصب، أو كثرة الأراضي والأطيان، أو كثرة الزوجات والأبناء والبنات…إلخ.
شخصيات الرواية:
وأما عن الشخصيات الأساسية التي استعملها محفوظ في الرواية، فهي شخصيات محددة ركز في إيرادها على البطل، وهي: عثمان بيومي -البطل والمحور الأساسي للرواية- وهو موظف حكومي بسيط يبدأ من أسفل السلم الوظيفي، وطموحه الوحيد أن يصبح “المدير العام”، ويجعل هذا الهدف مبرر وجوده كله، ولذا يعيش حياة منضبطة صارمة: لا يتزوج، ولا ينغمس في متع الدنيا، ولا يهتم بالصداقات أو الهوايات، العمل والترقي فقط من أجل تحقيق المجد الشخصي؛ وزملاء في العمل: مجموعة من الموظفين العاديين، يمرون في حياته دون أن يقيم معهم علاقات إنسانية حقيقية، فهو في عزلة وانشغال بذاته (عايش في حاله)؛ والنساء في حياته: لا يلعبن دورًا عاطفيًا حقيقيًا، بل يظهرن كإغراءات عابرة يرفضها عثمان حتى لا يبتعد عن هدفه، ويظل عزوفه عن الزواج أحد ملامح شخصيته، كنوع من “الزهد”.
رموز ودلالات في الرواية:
– المدير العام (حضرة المحترم): رمز للوهم البشري: قمة السلطة أو الجاه أو الحلم الذي نكرس حياتنا للوصول إليه، عندما يبلغه عثمان، يكتشف أنه بلا معنى بعد فوات العمر؛ إذ يقول: “الترقية تأتي دائمًا، لكن العمر لا ينتظر”.
– المصلحة الحكومية: رمز للمجتمع البيروقراطي المصري بكل رتابته ورتبه الصارمة، وهي صورة “المعبد” الذي يتعبد فيه عثمان في سبيل المجد.
– الزمن: أشبه بالخصم الحقيقي لعثمان، فهو يتقدم في العمر بسرعة، بينما يطارد المنصب ثم يفاجأ بالحقيقة التي لا مناص منها، وهي أن الزمن ينتصر دائمًا، ويجد البطل نفسه شيخًا لا يملك سوى لقب فارغ. لا معنى له، ولا مكسب فيه غير الناحية الشكلية فقط. “ظننت المجد في المنصب، فلما بلغته أدركت أنني عشت لوهم لا يساوي شيئًا”.
– العزوبة والزهد: ظاهرها الانضباط، لكن حقيقتها حرمان إنساني كبير يغير من طبيعة الحياة الفطرية السليمة. “لم أتزوج لأن الزواج يشغل الإنسان عن رسالته… وها أنا اليوم وحيد بلا زوجة ولا ولد”.
فكرة الوهم والزمن والبحث عن المعنى:
حضرة المحترم وبعض روايات نجيب محفوظ الأخرى تناولت فكرة الوهم والزمن والبحث عن المعنى، وسنحاول الوصول إلى الخيط الممتد في ثلاث روايات على سبيل المثال: حضرة المحترم (1975)، بطلها: عثمان بيومي – موظف حكومي. الوهم: المجد الوظيفي (منصب المدير العام). الفكرة: ضحّى بالحياة كلها من أجل لقب فارغ؛ ليكتشف في النهاية أن الزمن سرقه. رواية اللص والكلاب (1961) بطلها: سعيد مهران – لص يخرج من السجن باحثًا عن الانتقام والعدالة. الوهم: يظن أنه بطل شعبي يقف ضد “الكلاب” (المجتمع الخائن). الفكرة: يعيش صراعًا وجوديًا، يرى نفسه صاحب رسالة، لكن في الحقيقة مجرد ضحية لأوهامه. رواية الطريق (1964) البطل: صابر الرحيمي- شاب يبحث عن أبيه الغامض. الوهم: يظن أن العثور على أبيه سيمنحه الأمان والقيمة. الفكرة: يظل يطارد الأب كرمز للخلاص، لكنه لا يصل إليه أبدًا.
ومن ثم فعثمان بيومي ليس لصًا ولا ضائعًا مثل سعيد أو صابر، بل هو موظف “محترم”، لكن الثلاثة يجمعهم شيء واحد؛ كل منهم يطارد وهمًا (المنصب، العدالة، الأب). وقد جاءت النهاية على النحو التالي: عثمان يصل إلى الوهم، ليكتشف فراغه؛ وسعيد ينتهي بالهزيمة والقتل؛ وصابر يضيع في التيه بلا جواب. ولذا فإنه يمكننا القول إن محفوظ في هذه الروايات كان يناقش الإنسان الذي يضحي بحياته في سبيل سراب، سواء كان سراب السلطة (حضرة المحترم)، أو سراب البطولة (اللص والكلاب)، أو سراب الأب والخلاص (الطريق).
المستويات اللغوية في الرواية:
1-المستوى الأسلوبي:
نجيب محفوظ يستخدم في الرواية الأسلوب السردي البسيط المباشر، القريب من لغة الموظفين والحياة اليوميةالمعيشة، ربما بسبب معايشته لهذه الأجواء، ودرايتة الكاملة بها، وقد وردت الجمل قصيرة غالبًا؛ مما يعكس الصرامة والرتابة التي تحكم حياة البطل. فالأسلوب يجمع بين الواقعية (الوظيفة، المصلحة، الترقيات)، والرمزية (المنصب = وهم، المصلحة = معبد).
2- المعجم اللغوي:
يكثر فيه المعجم الإداري والوظيفي: ترقية، مصلحة، مدير، ملف، خدمة، درجة… وهذا يرسّخ الجو البيروقراطي.
كلمات الزمن والحياة والموت تتكرر: العمر، الشيخوخة، الوقت، النهاية…، لتذكّر القارئ بالمأساة الوجودية.
أفعال الحركة قليلة، بينما أفعال الانتظار والروتين بارزة: جلس، انتظر، دق، وقّع… مما يرمز إلى الثبات والجمود.
آراء النقاد في الرواية:
يرى النقاد أن حضرة المحترم تنتمي إلى المرحلة الرمزية – الفلسفية في إنتاج محفوظ بعد نيله نوبل، حيث اتجه إلى النصوص الأقصر حجمًا والأكثر كثافة دلالية، والتي تعبر عن مأساة الفرد في مواجهة الزمن مثل روايتي (الطريق، اللص والكلاب)، لكنها تنفرد بتركيزها على البيروقراطية كبيئة رمزية، وقدقوبلت الرواية بوجهتي نظر مختلفتين، وهما:
وجهة النظر الإيجابية: وهم الذين قالول بأن الرواية تعكس مأساة إنسانية عالمية، وليست فقط صورة لموظف مصري؛ فهي تطرح سؤالًا وجوديًا عن الزمن والوهم، وتعتمد على الأسلوب البسيط المباشر والتكرار المتعمد الذي يعكس رتابة حياة البطل، ويجعل اللغة جزءًا من الرسالة.
وجهة النظر السلبية: بعض النقاد رأوا أن الفكرة رغم عمقها أحادية الاتجاه؛ أي إن الرواية تدور كلها حول هاجس واحد (الترقي/ المنصب)؛ مما جعلها أقل تنوعًا من أعمال محفوظ الأخرى مقارنة على سبيل المثال بالثلاثية، وأن لغتها “جافة أكثر من اللازم”، وأنها أضعفت جمالية السرد مقارنة بأعمال محفوظ ذات البعد الشعري .
وهذ كلمات تعبر عن آراء فردية للنقاد منها، قول رجاء النقاش الذي وصف الرواية بأنها “ملحمة الموظف المصري”؛ إذ جسّد عثمان بيومي آلاف الموظفين الذين يعيشون حياتهم كلها في وهم الترقية، ليكتشفوا أن العمر قد ضاع؛ وانتقد محدودية أفق البطل، لكنه رأى أن هذا القصد من محفوظ: إبراز مأساة إنسان يختزل ذاته في منصب؛ رأي غالي شكري الذي اعتبرها رواية رمزية فلسفية، قريبة من عالم كافكا، إذ يقول: “إن “المكتب” في الرواية يتحول إلى معبد معزول، والوظيفة إلى أداة تسحق الإنسان. ويرى أن عثمان بيومي ليس مجرد موظف، بل صورة للاغتراب الإنساني في القرن العشرين”، ويرى أبراهيم فتحي أن الرواية نقد للبيروقراطية ونقد للفرد في آن واحد؛ ومن ثم جاء السرد أقرب إلى “سيرة داخلية” بلا أحداث مثيرة؛ وترى نبيلة إبراهيم أن اللغة الجافة المقصودة جزء من جماليات الرواية، وتعكس رتابة البيروقراطية بدقة.
ومن ثم جاءت آراء النقاد حول رواية “حضرة المحترم” تجمع بين الإشادة بقدرتها على تكثيف مأساة الإنسان في البيروقراطية، وبين التحفظ على جفاف أسلوبها وأحادية فكرتها.
وفي النهاية نقول: إن رواية “حضرة المحترم” لنجيب محفوظ من أبرز الأعمال التي تناولت عالم البيروقراطية المصرية، ليس بوصفه مجرد خلفية اجتماعية، بل كقدر يهيمن على حياة الفرد حتى يفقد إنسانيته ومتعته، ومن خلال شخصية “عثمان بيومي”، الموظف الذي كرّس عمره كله في مطاردة وهم الترقية والمجد الزائف، يكشف محفوظ ببراعة عن مفارقة الاغتراب الإنساني حين يتحول الطموح إلى قيد، والزمن إلى خصم، والحياة إلى سباق نحو لا شيء، عدم يتسابق على عدم، وفي سبيل ذلك فقد صحته وعمره، وربما كرامته في سبيل تحقيق المجد الزائف.
وهكذا تبقى رواية حضرة المحترم” شهادة أدبية على صراع الإنسان مع الزمن والوهم.