د.أيمن صابر سعيد يكتب: رسالة إلى صديق!!

رسالة إلى صديق!!
هل يمكن أن نحيا بلا صداقة، وبلا علاقات إنسانية أساسها الصداقة والمحبة والمودة؟! ستختلف الإجابة وفقا لما مر به كل إنسان، فبعضهم سيمدح في الصداقة والصديق، وبعضهم سيبغض فكرة الصداقة كلية، وينكر وجود الصداقة، بل وربما يذهب إلى أنه ليس هناك من يستحق لقب الصديق، والذي أوصل إلى النتيجة في الحالتين هو الممارسة، والنتيجة هنا نتيجة واقعية، وطبعا شخصية فردية، وهو رزق من الله أن ترزق بصديق وفيّ أو تبتلى بشخص تظنه صديقا ثم تكتشف أنه ليس أهلا لذلك، وهناك طرف ثالث يقول بأنه لا يعرف معنى الصداقة، وليس له صديق، فهو لم يخض التجربة، ولا ندري هل هناك خير في عدم الممارسة والتجريب أم أنه فقد كثيرا من الخبرة بأمور حياتية ضرورية، فقد عرف من ذاق.
ولا نريد أن نطرح علاقة الصداقة والصديق، على أنها صفات متى توفرت في شخص صلح أن يكون صديقا، ومتى غابت، غابت الصداقة الحقة، خاصة أن الصفات الحسنة كثيرة، وأن الصديق لا بد أن يكون وفيا مخلصا صادقا أمينا …إلخ، فهي كلمات قليلة مقتضبة لا تفي بالمعنى الحقيقي للصداقة، ولذا سأتجه وسأغوص في التراث لاستحضار وجهة النظر في الصديق والصداقة، والرؤية التراثية في هذا الشأن..
يقول ابن المقفع:
ابْذلْ لصديقك دمك ومالَك، ولمعرفتك رفدك ومَحْضَرك، وللعامة بِشرك وتحننَك، ولعدوك عدلك وإنصافك. واضْننْ على كل أحدٍ بدينك وعرضك… إن سمعت من صاحبك كلامًا أو رأيت منه رأيا يعجبك، فلا تنتحله تَزَيُّنا به عند الناس، واكتف من التزين بأن تجتني الصواب إذا سمعته، وتنسبه إلى صاحبه.
إن رأيت صاحبك مع عدوك، فلا يُغضبنك ذلك؛ فإنما هو أحد رجلين: إن كَانَ رجلا من إخوان الثقة، فأنفع مواطنه لك أقربها من عدوك؛ لشر يكفه عنك، أو لعورة يسترها منك، أو غائبة يطلع عليها لك. فأما صديقك، فما أغناك أن يحضره ذو ثقتك.وإن كَانَ رجلا من غير خاصة إخوانك، فبأي حق تقطعه عن الناس وتكلفه ألا يصاحب ولا يُجالس إلا من تهوى؟
يقدم ابن المقفع رؤية إنسانية اجتماعية لعلاقة الصداقة الحقة، في صورة مثالية، بأن الصديق أو من ارتضيته صديقا لا سبيل فى الخلاص منه؛ فهو ليس مملوكا تحرره متى شئت، أو زوجة تطلقها متى شئت، فهجر الأصدقاء بمنزلة الخيانة، ويلح في التمسك بالصديق والصبر عليه ومحاولة إصلاحه، وحتى لا تكتشف عدم صلاحية من اخترته صديقا فعليك من البداية التأني والتثبت في الاختيار؛ فيقول:
“اجعل غاية نيتك فِي مؤاخاة من تؤاخي، ومواصلة من تواصل توطين نفسك على أنه لا سبيل لك إلى قطيعة أخيك، وإن ظهر لك منه ما تكره، فإنه ليس كالمملوك تعتقه متى شئت أو كالمرأة التي تطلقها إذا شئت، ولكنه عرضك ومروءتك، فإنما مروءة الرجل إخوانه وأخدانه، فإن عثر الناس على أنك قطعت رجلا من إخوانك -وإن كنت معذرا- نزل ذلك عند أكثرهم بمنزلة الخيانة للإخاء والملال فيه، وإن أنت صبرت مع ذلك على مقاربته على غير الرضى، عاد ذلك إلى العيب والنقيصة. فالاتئاد الاتئاد! والتثبت التثبت!”.
ويعرض ابن المقفع لأنواع الأصدقاء، ويوضح صفات كل فريق منهم، سواء كان من إخوان الدين او إخوان الدنيا، ويبين أسباب البعد عن الشخص الجاهل، والكذاب، والشرير، وصاحب السمعة السيئة؛ فيقول:
“وإذا نظرت فِي حال من ترتئيه لإخائك، فإن كَانَ من إخوان الدين، فليكن فقيها غير مراء ولا حريص، وإن كَانَ من إخوان الدنيا، فليكن حرا ليس بجاهل ولا كذاب ولا شرير ولا مشنوع.
فإن الجاهل أهل أن يهرب منه أبواه، وإن الكذاب لا يكون أخا صادقا؛ لأن الكذب الذي يجري على لسانه إنما هو من فضول كذب قلبه، وإنما سمي الصديق من الصدق، وقد يتهم صدق القلب وإن صدق اللسان، فكيف إذا ظهر الكذب على اللسان؟
وإن الشرير يكسبك العدو، ولا حاجة لك فِي صداقة تجلب العداوة، وإن المشنوع شانع صاحبه”.
ثم يعقد مقارنة بين الانبساط إلى الناس أو اعتزالهم، وما يترتب على الحالتين، ويحذر من القيام بمقاطعة من اتخذه المرء صديقا، مهما كانت المبررات، فالقطيعة من العيوب التي تنتشر وتذاع بين الناس، أما الأعذار والأسباب الحقيقية للقطيعة فلا يعرفها أحد من الناس، ولا تصل إليهم؛ فيقول:
“اعلم أن انقباضك عن الناس يكسبك العداوة، وأن تقربك إليهم يكسبك صديق السوء، وسوء الأصدقاء أضر من بغض الأعداء، فإنك إن واصلت صديق السوء أعيتك جرائره، وإن قطعته شانك اسم القطيعة، وألزمك ذلك من يرفع عيبك ولا ينشر عُذرك، فإن المعايب تنمي والمعاذير لا تنمي”.
وإذا ما انتقلنا إلى كاتب آخر، وهو أبو حيان التوحيدي، وجدنا جهودا مبذولة في هذا الشأن عن الصداقة والصديق، يقول في المقدمة: ” وقبل كل شيء ينبغي أن نثق أنه لا صديق إلا من يشبه الصديق”، ويتضح موقفه من عدم إيمانه بعلاقة الصداقة ويأسه التام منها، بل وزهده في كل شيء؛ إذ يقول: “إنا كتبنا هذه الحروف على ما في النفس من الحرقة والأسف والحسرة والغيض والكمد والومد، لأني فقدت كل مؤنس وصاحب ومرفق ومشفق، والله لربما صليت في الجامع فلا أرى إلى جنبي من يصلي معي، فإن اتّفق فبقّال أو عطّار أو ندّاف أو قصّاب، ومن إذا وقف بجانبي أمدرني بصنانه وأسكرني بنتنه حتى أصبحت غريب الحال غريب اللفظ غريب النحلة، مستأنسًا بالوحدة معتادًا للصمت ملازمًا للحيرة محتملًا للأذى يائسًا من جميع ما نرى، فشمس العمر على شفا، وماء الحياة إلى نضوب، ونجم العيش إلى أفول”.
ومن أقواله أيضا: “وقد أتت هذه الرسالة على حديث الصداقة والصديق وما يتّصل بالوفاق والخلاف، والهجر والصلة، والعتب والرضا، والإخلاص والرياء، والنفاق والحياة والخداع، والاستقامة والالتواء، والاستكانة والاجتماع، والاعتذار، ولو أمكن لكان ذلك كله أتم بما هو عليه الآن وأجرى إلى الغاية صنعه الشيء إلى شكله وصبّه على قالبه، فكان رونقه أبين ورقيقه أحسن، ولكن العذر قد تقدّم، ولو أردنا أن نجمع كل ما قاله ناظم في شعره، وكل ناثر في لفظه، لكان ذلك عسيرًا بل متعذرًا، فإن أنفاس الناس في هذا الباب طويلة”.
فهل العلاقات الإنسانية الحقة التي نحياها تحت مسمى علاقة الصداقة هي علاقات حقيقية؟ وهل كنت من المحظوظين بوجود الصداقة والصديق في حياتك، أم أنت من الذين يرفضون الصداقة تماما وينكرونها، أم أنت لا تعرف الصداقة ولا تريد أن تدخل فيها، وترى في ذلك راحة بالك؟
أم إنك ترى علاقة الصداقة كأي علاقة مرتبطة بالمصلحة، فإذا وجدت المصلحة وجدت الصداقة، وإذا انتهت المصلحة انتهت العلاقة، وإنا لله وإنا إليه راجعون