جدلية الموت والحياة في رواية “السقا مات’
تحتل رواية “السقا مات” ليوسف السباعي 1952م، مكانة مميّزة في مسار الرواية العربية الحديثة، بوصفها عملًا سرديًا قصيرًا يعتمد على التكثيف الفني والعمق الدلالي أكثر من اعتماده على تشابك الأحداث أو تعدد الشخصيات. قدّم يوسف السباعي من خلالها -وقد ذكر أنها حدثت في حي الحسينية عام 1921- رؤية نقدية هادئة للوجود الإنساني العميق الباطني، مركّزًا على ثيمات الموت، والاغتراب، وتهميش الإنسان البسيط داخل المجتمع المعقد المتشابك الأحداث، وكشف عن الصراع العميق في النفس البشرية.
تدور الفكرة الرئيسة في الرواية المكونة من اثني عشر فصلا ومقدمة وخاتمة، حول “فلسفة الموت” ومحاولة الشخصية الرئيسة “المعلم شوشة السقا” للهروب من ذكرى وفاة زوجته الشابة، والمفارقة -هنا- تحدث عندما ينقذ “المعلم شوشة” شخصا ما يدعى “شحاتة أفندي” من الضرب في أحد المطاعم ثم تتوطد علاقته به، ويدعوه إلى الإقامة معه في بيته مع حماته وابنه “سيد”، وهو لا يعلم أن هذا الشخص يعمل في مجال متعلق بالموتى، وهو (مطيباتي- رفيق) جنازات الموسرين. وعلى الرغم من أن “المعلم شوشة” ينفر -في البداية- من ضيفه ويتشاءم، فإن الضيف سرعان ما يتمكن من إقناعه بمواصلة حياته، ونبذ فكرة الخوف من الموت التي تسيطر عليه، إلا أن أكبر مفارقة تحدث عندما يموت -أيضا- شحاتة أفندي نفسه فجأة في بيته؛ فينهار بسبب ذلك ويكتئب، وبعد فترة يستعيد “شوشة” عافيته، ويأتيه خبر سار بتعيينه شيخًا للساقيين في المنطقة، إلا أن البيت ينهار فوق رأسه، وتنتهي حياته في مشهد صادم ومؤثر.
أولًا: الرؤية النقدية العامة
تنطلق الرواية من رؤية وجودية تتعامل مع الإنسان بوصفه كائنًا هشًا ضعيفا، محكومًا بالزمن والمصير والقدر، ومهددًا بالذوبان داخل مجتمع لا يعترف إلا بالقيمة النفعية، ولا يقدّم الكاتب هذه الرؤية في شكل خطاب فلسفي مباشر، بل يضمّنها في بنية سردية بسيطة، تجعل من الحياة اليومية أداةً لطرح أسئلة كبرى حول المعنى والعدم، والحياة والموت في جدلية نفسية فلسفية عميقة، وتأمل في مجريات الحياة المعيشة.
ثانيًا: العنوان بوصفه عتبة نصية
يُعدّ عنوان الرواية “السقا مات” عتبة نصية بالغة الأهمية؛ إذ يأتي بصيغة تقريرية جافة تخلو من الانفعال، بما يعكس موقف المجتمع من موت الفرد العادي؛ فـ”السقا”، رمز العطاء والحياة، يموت دون أن يثير موته صدمة حقيقية، وكأن العنوان يختصر موقف النص بأكمله: موت الإنسان المهمّش خبرٌ عابر لا يترك أثرًا، ولا يستدعي أحدا للوقوف عليه عند سماعه؛ فالحياة تسير بمن حضر، ومن غاب طوي في دفاتر النسيان. ومن هذا المنظور النقدي، ينجح العنوان في توجيه القارئ نحو البعد الرمزي للرواية، ويكشف منذ البداية عن طبيعة الصراع غير المرئي بين الفرد والمجتمع. ولا بد من ملاحظة وجود جزء من آية في سورة البقرة أسفل عنوان الرواية مباشرة، تتحدث عن الصبر، قال تعالى: “والصابرين في البأساء والضراء وحين البأس أولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتقون”، وهي تعبر عن الثقافة الدينية للكاتب، وتجمل أحداث الرواية، وخلاصتها.
ثالثًا: البناء السردي وتقنيات الكتابة
يعتمد السباعي في “السقا مات” على بناء سردي خطي بسيط، يخلو من التعقيد الزمني أو المفاجآت الدرامية أو تعدد الأحداث وتشابكها، وقد يُؤخذ على هذا الأسلوب افتقاره إلى التوتر السردي مقارنة بالكتابات الأخرى، غير أن هذا الاختيار الفني يبدو مقصودًا؛ إذ يخدم الفكرة الرئيسة للنص، ويعكس رتابة حياة البطل وجمود واقعه- مطابقة الحال والمقام والكلام، وكأن المؤلف أراد الدوران في دائرة ضيقة تخدم الحدث الرئيس في الرواية، كما يغلّب السرد على الحوار، ويستخدم الوصف الداخلي بوصفه وسيلة للكشف عن الحالة النفسية للشخصية الرئيسة؛ مما يمنح النص طابعًا تأمليًا أقرب إلى السرد الفلسفي منه إلى الرواية الاجتماعية التقليدية، فهو ينقل الباطن العميق في صورة حديث داخلي لكنه منطوق ومسموع.
رابعًا: الشخصية الرئيسة في ضوء النقد الرمزي
تمثّل شخصية “شوشة” محور الرواية ودلالتها الرمزية الأبرز؛ فهو ليس شخصية فردية ذات ملامح نفسية معقّدة، بل هو نموذج إنساني عام، يرمز إلى الإنسان البسيط المهمّش، ويُلاحظ نقديًا أن الكاتب يتعمّد تقليل التفاصيل الشخصية لـ”شوشة”؛ ليجعله أقرب إلى الرمز منه إلى الشخصية الواقعية المكتملة، وهذا التعميم، على الرغم من أنه يضعف البعد النفسي للشخصية، فإنه يعزّز البعد الدلالي، ويجعل “شوشة” مرآة لعدد كبير من الأفراد الذين يعيشون على هامش المجتمع.
خامسًا: ثيمة الموت والاغتراب
يتجلى البعد النقدي في الرواية بوضوح من خلال معالجة ثيمة الموت؛ حيث لا يُقدَّم بوصفه حدثًا مأساويًا، بل كحقيقة عادية، أو متوقعة، وهذا الطرح يكشف عن اغتراب الإنسان داخل مجتمع فقد حساسيته تجاه الفرد؛ فالموت في الرواية ليس نهاية مأساوية، بل استمرارا لحالة العزلة والصمت التي عاشها البطل في حياته. ومن هنا، يمكن القول إن السباعي يقدّم نقدًا ضمنيًا لمجتمع يميت أفراده معنويًا قبل أن يموتوا جسديًا.
سادسًا: البعد الاجتماعي والنقد الضمني
لا تنفصل الرواية عن سياقها الاجتماعي- فهي رواية شعبية حقيقية تمتزج بالتأملات الفلسفية؛ إذ تعكس واقعًا تُقاس فيه قيمة الإنسان بمدى نفعه، ويبرز النقد الاجتماعي في غياب أي تعاطف حقيقي مع البطل، سواء في حياته أو بعد موته؛ فالمجتمع حاضر في النص بوصفه قوة صامتة، لكنها مؤثرة، تفرض العزلة والتهميش، ويُحسب للسباعي أنه قدّم هذا النقد بطريقة غير مباشرة أو خطاب وعظي كما يفعل بعض الكتاب؛ معتمدًا على الإيحاء والتكثيف، وهو ما يمنح الرواية قيمتها الفنية.
سابعًا: اللغة والأسلوب من منظور نقدي
تتسم لغة الرواية بالبساطة والاقتصاد، وقد يُنظر إليها نقديًا بوصفها خالية من الزخرفة البلاغية، إلا أن هذه البساطة تخدم الرؤية العامة للنص؛ فاللغة هنا أداة وظيفية تنقل المعنى دون افتعال، وتنسجم مع بساطة الشخصيات وعالمها؛ فهي عمل سردي ناجح في توظيف البساطة الفنية لخدمة رؤية إنسانية عميقة. “كل شيء إلى نهاية كلنا نعرف ذلك، ولكن المصيبة أننا لا نعرف متى النهاية … ولو عرفناها لكنا في استقبالها أكثر شجاعة. إن الحياة حقيرة، ولكننا من نفس معدنها.. كيف نعرض عنها ونحن أشد حقارة.. يا مشيع الموتى، ما كان أقدرك على كشف الأحياء.. تالله ما سمعت أصدق من قولك: ليس هناك أحقر من البشر ولا أغفل.
أهناك أشد غفلة من مخلوق يغفل عن نهايته.. أهناك أكثر غفلة من مخلوق يوقن من نهايته ولا يهيئ نفسه لها! رحمة الله عليك.. فقد كنت على حكمتك أشد البشر غفلة”.
والكاتب نفسه يتحدث في مقدمته عن استعماله للفصحى والعامية في روايته فيقول: “وهذه قصة يبدو فيها هذا الصراع بين الفصحى والعامية، ولا جدال هناك في أن الغلبة -في الحوار- للعامية؛ لأنه من المستثقل الممجوج أن تحاول إنطاق أشخاص القصة باللغة الفصيحة، وهم لا يمكنهم في حياتهم الطبيعية أن ينطقوا بها.
على أية حال، لا يراد بمقدمتي هذه اعتذار ولا تبرير.. فالكاتب يحب أن تنطلق أفكاره محررة من كل قيد، والألفاظ في اللغة توابع للأسلوب والأفكار.. ومن الخير، ونحن نهدف إلى أن يكون أدبنا القومي أدبا عالميا ألا نجعل من اللغة قيدا يثقل قدرتنا على التعبير الصادق غير التكلف.
إن هدف الكاتب، أو الفنان بصفة عامة، هو الوصول إلى أغوار النفوس ونقل مشاعره إليها.. والفنان الناجح هو موقظ الأحاسيس… محرك المشاعر.. مهما كانت وسيلته، وأيا كان أسلوبه”.
وعلى الرغم من محدودية أحداثها وشخصياتها- وأظنها مقصودة، فإنها تطرح أسئلة وجودية كبرى، وتقدّم نقدًا اجتماعيًا صامتًا لكنه مؤثر.
وأخيرا، فإن المتأمل في الرواية وأحداثها يجد أن قوتها لا تكمن في حبكتها فقط، بل في قدرتها أيضًا على تحويل قصة إنسان عادي إلى خطاب نقدي حول الوجود، والموت، وغياب المعنى في حياة الإنسان المهمّش، وربما هذا ما جعل كثير من النقاد يعدونها أهم رواية كتبها يوسف السباعي، ومن ثم حولت إلى فيلم في السبعينيات، يحتاج إلى مشاهد واع يبحث في حقيقة الحياة، ويأخذ من أحداثها العبرة والعظة. فهل نفكر؟!












