المعاناة والألم وبناء الذات في رواية “الأيام” لطه حسين
في رواية “الأيام” أو “ثلاثية الأيام” أو “السيرة الذاتية لطه حسين”، تتجلى تجربة إنسانية فريدة تجمع بين المحن والإبداع، وبين المعاناة والتميّز. هذه السيرة الذاتية ليست حكاية طفل كفيف نشأ في قرية مصرية بسيطة، بل هي شهادة حيّة على قدرة الإنسان على تحدي القيود والصعاب وتحويل المحنة إلى منحة، والضعف إلى قوة، والحرمان إلى دافع للتفوّق والانتصار والتغلب على كل الظروف. ولذلك تُعد “الأيام” واحدة من أهم الأعمال الأدبية العربية التي تناولت المعاناة بوصفها طريقًا للوعي والأمل والإنجاز والإبداع.
تبدأ المعاناة مبكرًا في حياة الطفل الذي يروي حكايته؛ معاناة جسدية تتمثل في فقدان البصر، ومعاناة نفسية تتمثل في شعوره بالعجز والاختلاف عن الآخرين. غير أنّ طه حسين لا يصوّر فقدان البصر كحادثة طبية فقط، بل يقدمه كجرح وجودي طال إحساس الطفل بذاته وبالعالم من حوله. فهو يشعر بأنه محاصر داخل ظلام دائم ومحاط بسور -رمز للعقبات، لا يرى لكنه يتخيل، لا يبصر لكنه يحس ويصوغ عالمه الداخلي بطريقة أعمق بكثير من المبصرين. هذا الإحساس يزرع بداخله شعورًا مزدوجًا؛ شعورًا بالنقص من جهة، وشعورًا بالتحدي من جهة أخرى؛ ليصبح الألم المحرك الأول لمسيرته العلمية والفكرية، وهنا نستدعي كلمات الشاعر سيد حجاب الذي يصف المعاناة ببراعة شديدة فيقول: “العتمة سور.. والنور بيتوارى.. وايش للفَجَارى في زمان النوح؟! ميتى تخطّى السور يا نوارة.. ويهل عطرك ع الخلا ويفوح؟! ويشدنا لجدام.. أيام.. ورا أيام.. ورا أيام”.
وتتضاعف المعاناة حين نجد الطفل يعيش في بيئة ريفية تقليدية لا تفهم طبيعة حالته ولا تحسن التعامل معها؛ فالقرية التي نشأ فيها كانت محكومة بالعادات والتقاليد والنظرة القاصرة نحو الإعاقة، وكان الأهل -على الرغم من حبهم له- جزءًا من هذا السياق الاجتماعي الذي يخلط الشفقة بالجهل. ومع ذلك، فإن هذه البيئة القاسية شكلت جزءًا مهمًا في تكوين شخصيته وحياته؛ ففي ظلها تشكل حبه للعلم وشغفه بالكلمة؛ لأنها كانت نافذته الوحيدة إلى العالم. وهنا تظهر المعاناة مرة أخرى ليس كحائل بينه وبين المعرفة، بل كقوة تدفعه إليها بقوة أكبر.
عندما ينتقل إلى الأزهر، تتخذ المعاناة شكلًا جديدًا وأكثر عمقًا. يجد نفسه في عالم علمي يقدّسه ويحلم به، لكنه يكتشف أن هذا العالم ليس كما تخيله؛ فهو مليء بالجمود الفكري، والتقليد، ونقص الاجتهاد الحقيقي من وجهة نظره، وفي ضوء ما تلقاه من بعض الأساتذة. هذا الإدراك يؤلمه لأنه أتى إلى الأزهر باحثًا عن النور المعرفي، فإذا به يصطدم بظلمات من نوع آخر. غير أن هذا الألم نفسه كان وقودًا للثورة الفكرية داخله، ودافعًا لسعيه نحو علم أكثر تنظيمًا وحداثة. فهو لا يكتفي بالتلقي السلبي، بل يسعى إلى الفهم والنقد وإعمال العقل، ليثبت أنّ الإعاقة الحقيقية ليست عدم البصر، وإنما غياب البصيرة.
هنا تظهر نقطة التميز الكبرى في الرواية: فـ”طه حسين” لا يرسم المعاناة كحالة من الاستسلام أو البكاء على الذات كما يفعل كثير من الناس، بل يقدّمها بوصفها مرحلة ضرورية لصقل الشخصية وبناء أساس متين راسخ. فالمعاناة ليست النهاية، بل هي بداية الرحلة نحو تحقيق الذات. إذ نرى الطفل الذي كان يعاني من حرمانه البصري، يتدرج ليصبح شابًا طموحًا مثابرًا، لا يقبل بالواقع المفروض عليه، ويقاوم كل العقبات التي تحاصره؛ سواء كانت جسدية أو اجتماعية أو فكرية. ومن خلال هذا التحول، يؤكد طه حسين على أن الإنسان قادر على تحقيق ما يريد، مهما كانت ظروفه قاسية.
كما يتجلى في “الأيام” بُعد إنساني شديد العمق يتمثل في تصوير الألم الداخلي للطابع النفسي والعاطفي. فالمعاناة ليست جسدية فحسب، بل هي معاناة شعورية حادة، ما بين شعور الطفل بالوحدة والخوف والحيرة، وبين رغبته العارمة في أن يكون له مكان بين الآخرين. إنه يعيش صراعًا دائمًا بين صورة نفسه في أعين الناس وصورتها في داخله. وهذه الثنائيات النفسية تتطور لتشكل نضجه العاطفي والفكري، فيتحول الألم إلى وعي، والضعف إلى إدراك أعمق لمعنى الإنسانية.
وتبرز كذلك معاناة أخرى مرتبطة بفكرة الانتماء والمكان. فالطفل الذي غادر قريته بحثًا عن العلم، ظل يحمل داخله حنينًا إليها فلم تغب عن ذاكرته، رغم قسوة الظروف التي شبَّ فيها. هذا التوتر بين الوطن والانفصال عنه يعمّق شعوره بالاغتراب، لكنه في الوقت نفسه يثري تجربته ويجعلها أكثر إنسانية وشمولًا. فالاغتراب هنا ليس سلبيًا تمامًا؛ إنه تجربة ضرورية لكي يدرك الإنسان ذاته وحدود عالمه وحقوقه في المعرفة والحرية.
وفي “الأيام” يتخذ الألم أيضًا بعدًا اجتماعيًا وفكريًا. فالرواية لا تتحدث فقط عن معاناة فرد، بل عن معاناة مجتمع يعيش تحت وطأة الجهل والجمود والثبات ويخشى التحول والتغيير والتجريب. وطه حسين، من خلال سرد تجربته، يفتح باب الأسئلة الكبرى حول التعليم، والحرية الفكرية، والعدالة الاجتماعية؛ فهو لا يقدّم قصة ذاتية فقط، بل يربطها بقضية الأمة كلها؛ ليصبح الألم الشخصي مرآة للألم العام.
ومع تقدم مسيرة طه حسين وارتفاعه في مدارج العلم، يتحول الألم إلى انتصار. فالشاب المكافح يتحول إلى رمز ثقافي، والمحروم من نعمة البصر يصبح بصيرة أمة بأكملها. هنا يصبح التميز نتيجة طبيعية لمسار طويل من المعاناة التي صهرت شخصيته وأكسبته قوة لا يملكها الكثيرون. إن نجاحه ليس حدثًا عابرًا لا يتكرر، بل شهادة على قدرة الإرادة الإنسانية وعلى أن الإعاقة الحقيقية ليست في الجسد، بل في الاستسلام.
ولعل أجمل ما في “الأيام” أنّ طه حسين لا يقدم نفسه كبطل خارق، ولا يضع معاناته في إطار المبالغة أو الادعاء، بل يسردها بصدق وبأسلوب أدبي رفيع، مليء بالشاعرية والوضوح. فهو يحلل نفسه وذاته كما يحلل العالم من حوله، ويكشف نقاط ضعفه كما يكشف قوته. وهذا الصدق الأدبي هو الذي منح الرواية تأثيرها الكبير، وجعلها قريبة من القارئ، مهما اختلف زمنه أو بيئته.
وأخيرا، فإنه يمكننا القول إن رواية “الأيام” ليست سردا لمعاناة شخصية، بل هي درس عميق في معنى الإنسان وقدرته على الصمود. إنها رواية تُحوِّل الألم إلى وعي، والمعاناة إلى طاقة خلاقة، وتُثبت أن التفوق لا يولد في بيئة الراحة، بل ينشأ غالبًا من رحم الشدائد. ومن خلال هذه التجربة، يقدّم طه حسين نموذجًا خالدًا للتميز الذي يصنعه الإصرار والإيمان بالذات. أنها قصة كل إنسان واجه الظلام يومًا، ثم قرر أن يصنع لنفسه نورًا من داخله.. فصنع. “مهما ميزان الدنيا كان معووج.. لا بد يوم يصفى الزمان ويروج.. ودي حكمة الايام












