الذات بين الألم والمعرفة في “أديب” لطه حسين
في العمل الإبداعي المميز “أديب” لطه حسين -الذي يجمع بين فن السيرة؛ الذاتية والغيرية، والسرد الروائي الذي يعتمد على عناصر فنية مثل: التخييل والتشويق والاستطراد والبيان والبلاغة والتصوير- لا يقدّم فيه طه حسين سيرة فردٍ بعينه، بقدر ما يقدّم سيرة وعيٍ يتكوّن، ونفسٍ تتشكّل بين نار الطموح والأمل وقسوة الواقع. فالكتاب، وإن بدا في ظاهره قصة شاب يسعى إلى الأدب والمجد غايةً وهدفا أساسيا، هو في عمقه مرآة شفافة لشخصية طه حسين نفسه مهما حاول عدم الكشف عنها صراحة، وتجربة روحية وفكرية تتقاطع فيها الذات بالموضوع، ويذوب فيها الكاتب بالمكتوب، حتى يكاد القارئ يشعر أن “أديب” ليس اسم بطل كما عهدنا فحسب، بل حالة إنسانية عاشها طه حسين وتأملها وأعاد صياغتها في قالب فني.
يظهر “أديب” بوصفه شابًا حالمًا طامحا، شديد الحساسية، مفرط الثقة في قيمة الأدب وقدرته على إنقاذ الإنسان من ضيق الواقع. وهذه السمة ليست غريبة عن طه حسين وأمثاله؛ فقد نشأ هو الآخر مؤمنًا بأن المعرفة هي الخلاص، وبأن العقل هو الطريق الوحيد إلى الحرية. لقد كان طه حسين منذ طفولته، رغم العمى والفقر المدقع، مسكونًا بشهوة العلم، لا بوصفه وسيلة للعيش فقط، بل بوصفه غاية وجودية. ومن هنا يصبح “أديب” -بداية- تجسيدًا لذلك الإيمان العميق الذي لا يعرف المساومة.
وفي صفحات الكتاب، نلمح شخصية قلقة مضطربة، تمزقها التناقضات: بين الريف والمدينة، وبين الأزهر والجامعة الحديثة، وبين الشرق والغرب. وهذه التناقضات ليست سوى انعكاس مباشر لمسار طه حسين نفسه؛ فقد عاش الكاتب صراعًا حادًا بين ثقافة تقليدية تشدّه إلى الماضي السحيق، وثقافة أوروبية فتحت أمامه آفاقًا جديدة في التفكير والنقد. وفي “أديب”، لا يُحسم هذا الصراع بسهولة، بل يُترك مفتوحًا، وكأن طه حسين يريد أن يقول إن الهوية الفكرية ليست قرارًا نهائيًا، بل رحلة شاقة مملوءة بالشك والأسئلة.
حوار الذات مع العالم
ومن أبرز ما يربط الكتاب بشخصية طه حسين تلك النبرة النقدية الصارمة التي تسري في السرد؛ فالبطل لا يكتفي بتلقي الواقع، بل يحاكمه، وينظر إليه بعين فاحصة لا ترحم الزيف، ويظهر سخطه. وهذا الأسلوب هو جوهر المشروع الفكري لطه حسين، الذي جعل من الشك منهجًا، ومن النقد أداةً لإعادة بناء العقل العربي. إن “أديب” لا يعيش العالم كما هو، بل كما ينبغي أن يكون، وحين يصطدم المثال بالواقع، يتولد الألم، ويتحول هذا الألم إلى وعي، فهو لا يتعرف بالواقع، بل يريد العالم كما تخيله أو يريده.
ويتجلى طه حسين في مؤلفه من خلال العلاقة المعقدة بالأدب نفسه؛ فالأدب في “أديب” ليس متعة جمالية فحسب، بل عبئا ثقيلا، ومسؤولية أخلاقية، وطريقا مملوءا بالخزي والخذلان. وهذا التصور يعكس نظرة طه حسين للأدب بوصفه فعلًا إنسانيًا عميقًا، لا ترفًا ثقافيًا عابرًا. لقد آمن بأن الكاتب الحقيقي يدفع ثمن وعيه عزلةً، وسوء فهم، وربما فقرًا روحيًا وماديًا. ومن هنا يبدو “أديب” شخصية مأساوية، لا لأنه فشل فقط، بل لأنه رأى أكثر مما يحتمل، وهذه أزمة كل أصحاب الرأي والفكر.
تشظي الذات والبعد النفسي
ولا يمكن إغفال البعد النفسي الظاهر في الكتاب؛ حيث يرسم طه حسين بمهارة دقيقة تقلبات النفس الإنسانية، من حماسةٍ مفرطة إلى خيبةٍ صامتة، ومن اعتدادٍ بالنفس إلى شكٍ جارح مفرط. وهذه القدرة على الغوص في أعماق النفس ليست إلا ثمرة تجربة شخصية طويلة مع الألم، والعزلة، والإحساس بالغربة. لقد عاش طه حسين غريبًا عن محيطه أحيانًا، لا بسبب عماه فقط، بل بسبب حدّة فكره واختلاف رؤيته وتمرده. وهذا الشعور بالغربة يتسلل بوضوح إلى صفحات “أديب” المعذب نفسيا وروحيا.
رحلة اللغة نحو النور
أما اللغة، فهي جسر آخر يربط الكتاب بصاحبه؛ فلغة طه حسين في “أديب” لغة هادئة، مشبعة بالتأمل، تخلو من الزخرف المبالغ فيه، لكنها تنطوي على موسيقى داخلية رقيقة. إنها لغة عقلٍ منضبط وقلبٍ حساس في آنٍ واحد، تعكس شخصية كاتبٍ آمن بأن الوضوح فضيلة، وأن الجمال لا يتعارض مع الصرامة الفكرية. فالأسلوب هنا ليس مجرد وسيلة فحسب، بل هو امتداد للشخصية.
أديب صوت طه حسين الخفي
يُعَدّ اختيار طه حسين لشخصية “أديب” اختيارًا أدبيًا مناسبًا؛ لما يحمله من قيمة فكرية وإنسانية، ولِما يعكسه من تجربة عميقة في تكوين الوعي، وهو ما يظهر جليا في الكتاب؛ إذ إنه لا يقتصر على سرد أحداثٍ عادية، بل يغوص في أعماق النفس الإنسانية، مصوّرًا صراع الأديب مع ذاته ومجتمعه، وهو صراعٌ يتجاوز حدود الزمان والمكان.
ويمتاز “أديب” بارتباطه الوثيق بشخصية طه حسين الفكرية؛ إذ يمثّل انعكاسًا لتجربته في البحث عن المعرفة، والانتقال من التقليد إلى الحداثة، ومن التسليم إلى النقد، وهذا ما يمنح النص صدقًا فنيًا، ويجعله قريبًا من القارئ؛ لأنه نابع من معاناة حقيقية معيشة ورؤية مبصرة واعية.
ولهذه الأسباب، يُعدّ “أديب” اختيارًا أدبيًا موفقًا؛ لأنه يجمع بين المتعة الفنية والعمق الفكري، ويُسهم في تنمية الوعي النقدي لدى القارئ، ويجسّد رسالة الأدب بوصفه أداةً للفهم والتنوير.
حين يكتب طه حسين ذاته باسم آخر
إن “أديب” ليس قصة فشل أديب أو نجاحه، بل هي تجربة تعبر عن تكوّن الوعي في عالم مضطرب، وإن شئت فقل هي وثيقة فكرية وإنسانية تكشف جوانب كثيرة عن شخصية طه حسين وفكره ونفسيته؛ شكّه، وإيمانه، وصراعه، وألمه، وأمله العنيد في مستقبل أفضل للعقل والإنسان. إن قراءة “أديب” هي في جوهرها قراءة لطه حسين نفسه أو هكذا يجب أن يقرأ الكتاب؛ إذ يلتقي الكاتب ببطله، لا عند حدود السيرة، بل عند تخوم الروح، حيث يصبح الأدب اعترافًا غير مباشر، ويغدو “أديب” صوتًا آخر لطه حسين، يقول ما لا تقوله السيرة الصريحة، ويترك للقارئ أن يكتشف أن أعظم الكتب هي تلك التي يكتبها أصحابها بدم القلب والألم والبوح قبل حبر القلم والرغبة في الكتابة؛ رغبة في القضاء على الشك والوصول إلى الإيمان. “ليست الحياة لعبا أيها الصديق، أو قل ليست الحياة كلها لعبا، والجنون مباح على أن يكون قليلا، فإن طال فمصير صاحبه إلى مستشفى المجانين، وقد أشفقت أن يطول جنوني، وقد أشفقت أن أدفع إلى هذا المستشفى، ولكني أفقت بعد لأي ورشدت بعد غي، وكان أول ما لقيته في فرنسا شرا، ولكني أرجو ألا أستقبل فيها منذ اليوم إلا خيراً متصلا”.










