أثر الوعي في توجيه الخطاب الإنساني
إن المتأمل في الحياة بوجه عام، وهي تمثل الدائرة الكبيرة، والحياة الخاصة وحياة المقربين منها، وهي تمثل الدائرة الصغيرة المحدودة الخاصة، يجد تعدد وجهات النظر، واختلافات كثيرة حول المسألة الواحدة، وليست هذه بمشكلة كبيرة، وإنما المشكلة تتمثل في الإصرار على الرأي الواحد أو الأوحد، والتعصب له، وتخطئة الآخرين؛ ظانًّا من يفعل ذلك أنه يملك الحق المطلق؛ وأن التراجع عن الرأي هزيمة، وتقليل من الشأن، هذا صنف من الناس، وهناك صنف آخر لا يتحكم في نفسه؛ فهو يخطب في كل وادٍ، ويفتي في كل مجال، ويرى في نفسه القدرة على الإدلاء برأيه في أي مسألة، فيقول مبررا ما يرى: أنا سِني كذا أو أنا لدي خبرة سنين أو مرت علي في حياتي أحداث كثيرة (وعيني ياما شافت).
كل هذه الأمور وغيرها يمكن إرجاعها إلى أصل واحد، وهو (الوعي/ الإدراك)، ووفي هذا الصدد نطرح أسئلة كثيرة عن حقيقة الوعي، صوره؟ ومن يملك الوعي؟ وكيف يتحكم الوعي في توجيه الفرد، ومن ثم المجتمع؟ الوعي ـبداية- لا يوجد تعريف واحد اتفق عليه بشكل قاطع ونهائي؛ حيث يدور المصطلح بين عدة علوم؛ ومن ثم اختلفت المقاربات بين الفلسفة، وعلم النفس، والطب، ولكن هناك شبه اتفاق على أن الوعي -بوجه عام- هو “الحالة الإدراكية”.
ولا يعني هذا عدم وجود تعريفات محددة للوعي، فهناك من ذهب إلى أنه حالة عقلية معرفية تتضمن إدراك الفرد لذاته، وأفكاره، ومشاعره، ومحيطه الخارجي، ويمكن اعتبار الوعي دفقات من التجارب الذاتية، مثله مثل الشعور، والتفكير، والإحساس، ويشمل اليقظة والقدرة على فهم المعلومات وطريقة استقبالها وآلية معالجتها، وهناك من يرى أن الوعي يمثل النشاط الدماغي المسؤول عن السلوكيات المخططة واتخاذ القرارات، والاعتماد على التركيز والمنطق، ومن ثم يرتبط مفهوم الوعي بالإدراك والذات؛ ومعرفة المرء بوجوده وبما يحيط به؛ مما يسمح له بتمييز نفسه عن العالم الخارجي، أو هو النشاط الوظيفي الذي يوجه الأفعال التخطيطية، والتحدث، وحل المشكلات، بينما يغطي الوعي الباطن الأفعال اللاإرادية، أو هو الحياة الداخلية للفرد وتأملاته، وقد ارتبط بالقدرة على التعبير عن التجارب، وهناك من قسم الوعي إلى أنواع منها؛ وعي عفوي/تلقائي، ووعي تأملي، ووعي حدسي، ووعي معياري/أخلاقي، ووعي اجتماعي، ولا أريد أن أخوض في شرح هذه المصطلحات التي لا تنتهي.
وأما عن تأثير الوعي على الفرد والمجتمع؛ فنجد أن الأصل في الإنسان أن يحيا في مجموعات متفاعلة مترابطة متعاونة، وفي إطار من القيم والمعايير السلوكية والقواعد والمعايير والأعراف الاجتماعية، والتي قد تتغير بمرور الوقت وتختلف من ثقافة إلى أخرى، ولكنه إطار شامل ومعلن وواضح لكل مجموعة تعيش في بيئة واحدة، وتتبنى أفكارا متشابهة، وإن كان التغيير أمرا حتميًّا؛ نتيجة المتغيرات والمستحدثات العصرية التي ات تنقطع عن التحديث، ومن ثم فإن مواكبة التكنولوجيا -على سبيل المثال- أمر ضروري ومسيطر في تنمية الفرد والمجتمع، ومرتبط في الوقت نفسه بالتغيرات والمكتسبات، ويمكن تطويره من خلال بعض الآليات مثل: التنظيم الذاتي، وخلق الدافع، والتعاطف، والاحترام، والاستماع بنشاط، والتعاون؛ فالفرد يمكنه أيضا تنميته من خلال مراقبة الآخرين، وتنمية قدراته من خلال التعامل والتفاعل والاكتساب.
وإذا أدرك المرء كل هذه الأمور فسينعكس على سلوكه وتصرفاته، ويهمنا -هنا- الوقوف عند الكلمة التي ينطق بها المرء، فإذا كانت أدواته كاملة متكاملة، فسيكون للكلمة ميزان يزن به كلامه، ويتحكم في استعمال الكلمات بطريقة إيجابية لا سلبية ولا انفعالية غير محسوبة، أو غير مدروسة فتجلب له المصائب، والويلات، والندم، وهو ما حثنا عليه النبي الكريم محمد -صلى الله عليه وسلم- إذ يقول: “إنَّ العَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بالكَلِمَةِ مِن رِضْوانِ اللَّهِ، لا يُلْقِي لها بالًا، يَرْفَعُهُ اللَّهُ بها دَرَجاتٍ، وإنَّ العَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بالكَلِمَةِ مِن سَخَطِ اللَّهِ، لا يُلْقِي لها بالًا، يَهْوِي بها في جَهَنَّم”، وهذا ما يجعل اللسان أهم أدوات الوعي الناطقة والمعبرة عن مكنونات النفس البشرية؛ ولذا جاء الترغيب والترهيب مقرونًا بالحرص على التفكر في المنطوق؛ فالكلمة تصنع انتصارات أو تحقق هزائم، تحقق سعادة أو تترك حزنًا، تفتح باب خير أو تغلق باب شر، وهو ما فطن إليه الشاعر؛ إذ يقول في ذلك:
وزنِ الكلامَ إذا نطقـتَ ولا تكـنْ
ثرثـارةً فـي كـلِّ نـادٍ تخطُـبُ
واحفظْ لسانَكَ واحترزْ من لفظِهِ
فالمرءُ يَسلَـمُ باللسانِ ويُعطَبُ
وهناك شخصيات تتحدث في أي موضوع، وتقحم نفسها فيما تعلم وما لا تعلم، فيتحول الموضوع إلى جهل فاضح أو رأي مستهجن غريب، والأمر ليس فرديا بل يمكننا أن نقول إنه صار ظاهرة اجتماعية ونفسية شائعة، فهناك من لقب نفسه بألقاب صارت مهنة من لا مهنة له؛ منها (محلل) في أي مجال؛ وهو ما يفسر أحيانا في علم النفس على أنه إسقاطات نفسية ناتجة عن ظروف تربوية أو نفسية، بهدف إثبات الذات أو السيطرة على الجلسة والمحادثة، بصرف النظر عن الإمكانات والقدرات والتخصصات، فالأمر من وجهة نظرهم بسيط جدا (كلام -بل وزاد بعضهم جملة- والكلام ليس عليه جمرك)، بل وصل الأمر إلى إصدار فتاوى وأحكام دينية، وقد أدركت مؤسسات الدولة خطورة هذا الكلام الذي انتشر بصورة كبيرة، وتصدر الإفتاء أناس غير مؤهلين وغير متخصصين وغير دارسين، خاصة في الفضائيات أو على مواقع وسائل التواصل الاجتماعي، فحددت جهات معنية بالفتاوى بنص القانون، فصدر قانون تنظيم الفتوى الشرعية رقم 86 لسنة 2025، والذى قصر الفتوى على جهات وأشخاص محددة فقط، وعليه فإن أي إفتاء في الدين؛ سواء على الفيس بوك أو أي وسيلة تواصل أو قناة فضائية أو راديو مسموع أو في المساجد بدون الشروط التي حددها القانون وبدون تصريح، فستكون هناك عقوبة صارمة للمخالفين، وقد قدرت بغرامة من 50 ألف لـ100 ألف جنيه أو حبس لا يزيد عن 6 شهور.
ولو تخيلنا أن أي كلام غير صحيح سيقال، سيفرض عليه غرامة ويحاسب صاحبه لتبدل حالنا، وعملنا بأنفسنا حذفًا لما كان سيقال قبل أن نتفوه به، ولجعلنا من أنفسنا رقباء على أنفسنا، ولأعلينا من قيمة الوعي وأهميته في صياغة الكلمة؛ ومن ثم قدرنا المسؤولية الأخلاقية للكلمة، وحرصنا على أخلاقيات الكلام وآداب الحديث والكتابة، وتخلينا كلية عن الكلمة العشوائية أو المضللة التي تهدم الروابط الإنسانية، وتزيف الحقائق، وتغيب الوعي، وهو ما سيهدف إلى استعادة “هيبة الكلمة” من خلال رفع كفاءة الوعي الفردي والجمعي. فهل نفعل؟!












