شخصية محجوب عبد الدايم بين النفعية والانهيار الأخلاقي
قراءة في رواية “القاهرة الجديدة”
تُعد رواية “القاهرة الجديدة”، الصادرة عام 1945، واحدة من أوائل الأعمال الروائية لنجيب محفوظ، والتي تحولت إلى فيلم بعنوان: “القاهرة 30” عام 1966، وفيها يقدم رؤية نقدية حادة للمجتمع المصري في ثلاثينيات القرن العشرين، تلك الحقبة التي شهدت اضطرابات سياسية وصراعات اجتماعية عميقة بين الطبقات. تتجلى أهمية الرواية في كونها تكشف البنية الأخلاقية والسياسية لمرحلة كاملة من خلال شخصيات محدودة، ومعبرة عن الواقع على اختلاف أفكاره وتوجهات، أبرزهم محجوب عبد الدايم، الذي يمثل نموذجًا صارخًا للانهيار الأخلاقي تحت ضغط الحاجة والطموح والرغبة في الصعود الاجتماعي السريع، مهما كان الثمن، خاصة في ظل واقع سياسي واجتماعي مضطرب تُهيمن عليه المحسوبية والفساد، وتتسع فيه الفجوة بين الطبقات.
تتمحور الرواية -التي تبدأ برصد مقطع من حياة أربع شباب تشاركوا حقبة دراسية معا وتكون بينهم تعارف، ولا يمكننا أن نقول إنها صداقة على الرغم من أن نجيب قد وسمهم بـ “الأصدقاء الأعداء”، ويبين لنا نجيب من هذا الرصد أربعة أصدقاء على تناقض تام؛ حيث تتقاطع مصائرهم- حول محجوب عبد الدايم (الشخصية التي سنتوقف عندها طويلا)، الشاب الفقير القادم من الريف للدراسة في القاهرة. يعيش محجوب حالة اغتراب ويؤمن إيمانًا مطلقًا بأن “المصلحة” هي المبدأ الوحيد القابل للحياة. وبينما يحاول أصدقاؤه -علي طه المثقف الاشتراكي، ومحمود خليل الطامح اجتماعيًا- التمسك بقيم مختلفة، ينغمس محجوب في نزعة نفعية تدفعه إلى التخلي عن المبادئ التي يؤمن بها الآخرون.
“واستقبله الشاب بسرور، وسأله:
لماذا تغيبت اليوم عن الكلية؟
فقال محجوب:
مكره أخاك، لشد ما أعاني من الاضطراب؟
وتفرس مأمون في وجهه بعينيه النجلاوين السوداوين، فهاله ما يرى
من الهزال والقنوط، وسأله باهتمام وإشفاق:
ما بك يا أستاذ محجوب؟”
يجد محجوب نفسه بعد التخرج بلا عمل، فتزداد أزمته الاقتصادية والنفسية. وفي خضم اليأس، يتلقى عرضًا من الباشا صاحب النفوذ عن طريق أحد معارفه، والنموذج الذي تمنى أن يصل إلى مكانته: وظيفة مضمونة في مقابل زواج صوري من الفتاة الجميلة إحسان شحاتة، التي يريدها الباشا عشيقة سرية له. يقبل محجوب العرض دون تردد، فيتحول الزواج إلى صفقة، وتتحول إحسان إلى ضحية تتأرجح بين الفقر والطموح.
تكشف العلاقة الثلاثية عن أعماق الفساد الاجتماعي؛ حيث يصبح جسد المرأة وسيلة للترقي، ويغدو الشاب الفقير مجرد أداة في لعبة السلطة. ومع تراكم التوترات، تنفضح العلاقة، فتنهار حياة محجوب وزواجه ووظيفته، بينما تهرب إحسان بعيدًا عن عالم استغلها.
تنتهي الرواية بمحجوب وحيدًا، ساقطًا أخلاقيًا واجتماعيًا، بعدما فقد كل ما اعتقد أنه سيكسبه. من خلال هذه النهاية المأساوية، يقدّم محفوظ نقدًا لاذعًا لمجتمع فقد بوصلته القيمية، ويطرح سؤالًا جوهريًا: هل يستطيع الإنسان أن يحافظ على نفسه في عالم تحكمه المصالح؟
منذ الصفحات الأولى، يقدّم محفوظ محجوب عبد الدايم كطالب فقير قادم من بيئة ريفية إلى القاهرة، يحمل في داخله خليطًا من الحقد الاجتماعي والرغبة في الانتماء إلى طبقة أعلى. إنه شاب فقد الإيمان بالقيم التقليدية، لا يرى العالم إلا من خلال معيار واحد: المنفعة. وهو لا يخفي هذا المبدأ، بل يعلنه صراحة أمام أصدقائه: “لا معنى للحياة إلا المصلحة”، وهي جملة تكثّف فلسفة محجوب الوجودية وتُعد مفتاحًا لفهم كل تصرفاته لاحقًا.
محجوب ليس شريرًا بالمعنى التقليدي؛ فهو نتاج البيئة والظروف الاجتماعية والسياسية التي عاشها. ففقره المدقع، وافتقاره إلى أي شبكة دعم، جعلاه يرى أن الفضائل مجرد امتيازات لا يستطيع الفقراء تحملها. بهذا المعنى يصبح محجوب ضحية بقدر ما هو فاعل، فهو يعيش في مجتمع يحترم المال والنفوذ أكثر مما يحترم الأخلاق والحق، فيتبنى هو هذه النظرة باعتبارها “الطريق الواقعي الوحيد للنجاة”.
يتخذ محفوظ من القاهرة -مدينة الحداثة والصراع الطبقي- مسرحًا لصعود وانهيار محجوب. فالقاهرة ليست مجرد خلفية جغرافية، بل هي كيان اجتماعي وسياسي يصوغ مصائر الأفراد. في هذه المدينة الكبيرة، يعيش محجوب حالة اغتراب وجودي: هو غريب عن طبقته الأصلية لرفضه قيمها التقليدية، وغريب أيضاً عن الطبقة البرجوازية التي يحلم بالانتماء إليها لكنها لا تعترف به. هذا الاغتراب المزدوج يدفعه نحو خيارات راديكالية لم يكن ليتصورها في بداية حياته.
يتجلى التحول الأكبر في حياة محجوب عندما يُقدَّم له عرض غير أخلاقي كي يحصل على وظيفة حكومية مرموقة. يعلم محجوب أنه مؤهل ضعيف ولا يملك نفوذًا، لكن الحل يأتي عبر زواج مصلحي من فتاة تُسمى إحسان شحاتة، على أن تكون العلاقة الزوجية مجرد واجهة، فيما تكون إحسان في الحقيقة عشيقة للباشا صاحب النفوذ. هنا تظهر لحظة السقوط الأخلاقي الكبرى، التي تكشف عمق الأزمة القيمية التي بنى محفوظ عليها الرواية.
يقبل محجوب العرض بلا تردد يذكر، فهو يرى أن “الغاية تبرر الوسيلة” وأن الأخلاق مجرد رفاهية لا يتحملها الفقراء. وهكذا يتحول الزواج إلى عقد تجاري، وتتحول العلاقة الإنسانية إلى صفقة سياسية واجتماعية. يتزوج محجوب مقابل الوظيفة، ويوافق ضمنيًا على مشاركة زوجته مع رجل آخر. هذا القرار لا يعبّر فقط عن انهيار محجوب الأخلاقي الشخصي، بل يعبّر أيضاً عن فساد المجتمع بأكمله؛ حيث تُباع القيم وتُشترى كأي سلعة.
أحد أبرز جوانب عبقرية محفوظ في بناء شخصية محجوب هو قدرته على تصوير تدرّج الانهيار الداخلي. فمحجوب لا يسقط دفعة واحدة، بل يسير خطوة بعد خطوة، حتى يصبح السقوط بالنسبة إليه أمرًا طبيعيًا. في كل مرة يتخاذل، يبرر لنفسه فعله بحجج منطقية ظاهريًا، كأن يقول لنفسه: “طالما أن الجميع يفعل ذلك، فلماذا أكون الاستثناء؟” وهكذا تتحول النفعية من وسيلة للبقاء إلى فلسفة كاملة للحياة.
علاقة محجوب بأصدقائه تكشف صراعًا فكريًا بين المثالية والواقعية. علي طه مثقف اشتراكي مؤمن بالتغيير الاجتماعي والعدالة، وهو على النقيض الأخلاقي من محجوب. عبر هذا التضاد يظهر سؤال الرواية المركزي: هل يمكن للإنسان أن يبقى نزيهاً في مجتمع فاسد؟ علي طه يختار طريق النضال، بينما يختار محجوب طريق التعايش مع الفساد، بل الاستفادة منه. هذا التضاد يسمح لمحفوظ بأن يُظهر الصراع الفكري داخل جيل كامل.
أما إحسان شحاتة، زوجة محجوب، فهي مرآة أخرى لانهيار القيم. فهي أيضاً ضحية للفقر والحرمان، لكنها تمثل الجانب المأساوي من الانهيار الأخلاقي؛ فهي لا تملك فرصة الاختيار كما يملك محجوب. وإذا كان محجوب قد باع نفسه مقابل وظيفة، فإن إحسان تُباع جسدياً وروحياً مقابل حياة أفضل. العلاقة بين محجوب وإحسان ليست علاقة حب أو حتى احترام، بل علاقة تبادل مصالح، ما يكشف مدى التشوه العاطفي الناتج عن الظروف الاجتماعية القاسية.
ذروة الرواية تأتي عندما ينهار الاتفاق السري وينكشف أمر إحسان للعموم، فتهرب من منزل زوجها، بينما يبقى محجوب وحيدًا. هنا يعيش لحظة مواجهة مع الذات، لكنها ليست لحظة تطهير أخلاقي. على العكس، يستمر محجوب في محاولة حماية وظيفته ومكانته، ويستخدم الكذب والتمويه ليغطي على الفضيحة. بهذا يثبت محفوظ أن محجوب لم يعد قادرًا على العودة إلى قيمه الأولى، لأن التحلل الأخلاقي عندما يبدأ يصبح من الصعب وقفه.
يُسدل محفوظ الستار على شخصية محجوب بأسلوب يختلط فيه العبث بالمأساة. فرغم كل شيء، لا يحصل محجوب على المكانة التي حلم بها، ولا ينجو من العار الاجتماعي. ينتهي به الأمر محطّمًا ومعزولًا، في مفارقة واضحة: لقد ضحّى بكل شيء من أجل الصعود، لكنه لم يصعد قط. هذه النهاية تُبرز جوهر الفكرة: الانهيار الأخلاقي لا يؤدي إلى السعادة أو النجاح، بل إلى الفراغ الداخلي والنبذ الاجتماعي.
وبعد ظهو حقيقة محجوب عبد الدايم:
“انتهى كل شيء، انتهت الوظيفة والماهية. هلم نتسول معا…
وارتسمت في عيني الرجل الذابلتين نظرة زائغة ذاهلة، وبدا في حيرة قتالة وكرب عظيم. لم يصدق ما رأت عيناه ولا ما سمعت أذناه. كابد الألم الممض والغضب المختنق. ولولا ما آنس من قنوط ابنه وهذيانه لا نفجر بركانه. لم تنته الوظيفة والماهية فحسب، ولكن ابنه نفسه انتهى، ولم يعد ذا مال ولا ولد وسيقول لامرأته إذا عاد إلى بلده: لا تسألي عن محجوب، فقد انتهى محجوب وغدا ذكرى من الذكريات…”.
من خلال محجوب عبد الدايم، يقدم نجيب محفوظ نقدًا عميقًا للطبقة الوسطى المصرية، التي وجدت نفسها بين مطرقة الفقر وسندان الطموح، وبين مبادئ قديمة تنهار وقيم جديدة لا تملك ثباتًا أخلاقيًا. كما تُعد الشخصية تجسيدًا لما يمكن أن يحدث عندما يفقد المجتمع بوصلته الأخلاقية ويتحول كل شيء فيه إلى صفقات مصالح. إن محجوب ليس شخصًا استثنائيًا، بل هو نموذج يمكن أن يتكرر في أي مجتمع يغيب عنه العدل وتفشو فيه المحسوبية والفساد.
في النهاية، تبرز القاهرة الجديدة بوصفها رواية اجتماعية وسياسية تتجاوز إطارها الزمني. فهي ليست فقط نقدًا لمصر في الثلاثينيات، بل هي أيضًا مرآة للواقع الإنساني في كل زمان ومكان. وشخصية محجوب عبد الدايم تظل واحدة من أهم الشخصيات التي كتبها محفوظ، لأنها تجسد ببراعة المأساة الأخلاقية لإنسان فقد قيمه تحت ضغط الواقع، فخسر كل شيء حتى نفسه.













Ja, Lex Casino hat ein VIP-Programm, das treuen Spielern besondere Vergünstigungen bietet.
Sie können die Freispiele für bestimmte Spiele wie “Book of Kemet” verwenden. Ja,
Lex Casino schenkt neuen Spielern 50 Freispiele als Bonus ohne Einzahlung, wenn sie
sich anmelden und ihr Konto verifizieren. Einzahlungen werden sofort bearbeitet,
und Auszahlungen erfolgen in der Regel innerhalb von 24 Stunden für E-Wallets
und Krypto-Zahlungen.
Oft sind auch Freispiele für beliebte Slot-Spiele
wie “Legacy of Dead” oder “Big Bass Bonanza” enthalten.
Stellen Sie sich vor, Sie zahlen 150 Euro ein und erhalten weitere
150 Euro als Bonusguthaben – schon haben Sie 300 Euro zum Spielen!
Lex Casino hat das verstanden und bietet verschiedene Werkzeuge und Maßnahmen an, um Ihnen ein sicheres und verantwortungsvolles Spielerlebnis zu ermöglichen. Voraussetzung, um den finalen LEGEND-Status anzunehmen, ist
eine Punktestand von 350 Punkten innerhalb der letzten 30 Tage.
Für keinen der drei Einzahlungsboni müssen Sie einen Lex Casino Bonus Code eingeben.
**mitolyn official**
Mitolyn is a carefully developed, plant-based formula created to help support metabolic efficiency and encourage healthy, lasting weight management.